الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
06:41 ص بتوقيت الدوحة

العرب ما بعد «الجزيرة»

د. أحمد موفق زيدان
مضى على عملي في شبكة «الجزيرة» ثمانية عشر عاماً، بينما تكمل الشبكة هذه الأيام عامها الثاني والعشرين، وهي تواصل دأبها وجهدها في عالم الإعلام العالمي والإنساني، ولا أقول العربي فقط، أقدمت يوم أحجم كثيرون، واخترقت يوم اختُرق كثيرون، وناضلت يوم جبن كثيرون، فكانت مع الإنسان ومع حقوقه وحريته وصموده ولا تزال، تنثر عبيرها الفوّاح في أرجاء الإعلام العربي، اتُهمت بالشيء ونقيضه، وتلك هي شيمة الناجحين في عالم النجاح، ولكن مع هذا كله يحرص خصومها وأعداؤها ومنافسوها على مشاهدتها، أكثر من حرصهم على مشاهدة قنوات يمدحونها علناً، ولكنهم في السر يعرفون أنها لا تُسمن ولا تغني من نهم معرفي وإخباري.
لست هنا في وارد الحديث عن مسيرة «الجزيرة»، فشاشتها تشهد لها صباح مساء، قد يعترض البعض على تغطية دون تغطية، وقد ينتقد البعض التركيز على موضوع دون آخر، ولكن هذا لم تسلم منه «الجزيرة» ولا قنوات عالمية، وفي النهاية لا توجد منظمات خيرية سياسية وإعلامية، ومن حق من يفتح مشروعاً أن يكون له نصيب فيه، ولكن الحكم والفيصل في ذلك قول النبي -عليه السلام-: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، فإن كان خير «الجزيرة» أكثر من شرها، وهو ما نعتقده وتعتقد به الغالبية الغالبة من الشعوب المحبة للإعلام وحريته، فحسبنا وحسب «الجزيرة» ذلك.
كنّا وعلى مدى هذه المسيرة القصيرة في عالم الإعلام والمؤسسات، نتمنى أن يكون لدينا منافس حقيقي، فهذا هو جوهر التقدم والصراع الإيجابي، ولكن للأسف لم يبرز على الساحة الإعلامية العربية منافس حتى تكون المنافسة أشد، والمبارزة أقوى، وبالتالي يتم شحن الهمم والخبرات والقدرات من أجل الصالح الإعلامي والصالح الإنساني، فدائماً ما تشكل المنافسة حلبة نشاط حقيقي، يعود ريعها على المشاهد والمتلقي.
تعاقب على «الجزيرة» عدد من المديرين العامين، ولكن ظلت «الجزيرة» وفيّة لرسالتها الأولى، رسالة الرأي والرأي الآخر، وحين ظهر الربيع العربي لم تتوانَ «الجزيرة» عن الوقوف إلى جانب الحرية والتحرر في مواجهة الاستبداد ولا تزال، ولكن مع تصاعد حُمّى الإعلام الجديد، سعت «الجزيرة» من خلال أذرعها الإعلامية الجديدة إلى مواكبة العصر، فكان نشاطها الملحوظ على موقع «فيس بوك» وكذلك على «تويتر» و»تليجرام» و»إنستجرام»، فضلاً عن النجاحات المبهرة على صعيد «AJ+» التي كانت رائعة في تغطيتها وجذابة في شكلها ومضمونها، وقد جاء إطلاق منتدى الإعلام الرقمي برعاية معهد الجزيرة للتدريب في اسطنبول أخيراً، ليعكس الاهتمام بهذا الأمر، ودفعاً لقوى الشباب في أعماله الرائدة على صعيد الإعلام الجديد، الذي هو بحق الرافعة الحقيقية لنهضة الشعوب في تعريفها بحقوقها وحريتها واستقلالها، بعد أن غدا ساحة الصراع الحقيقية.
الحرب الحقيقية اليوم ساحتها الإعلام الجديد، ولذا فقد سعت دول الاستبداد ودول الشدّ إلى الخلف، للدفع بجيوشها الإلكترونية من أجل تزييف وتضليل معركة الوعي العربي، التي تدور رحاها في ساحات إعلام التواصل الاجتماعي، ولذا فعلى «الجزيرة» وعلى أذرعها الإعلامية الجديدة، وعلى كل المؤسسات ذات الرسالة مسؤولية إعلامية مهنية أولاً، وأخلاقية ثانياً، في تفكيك شفرة الكذب والتضليل، التي تقوم بها تلك الأبواق ممثلة بحسابات مزيفة وذباب إلكتروني وبعيره، وذلك من أجل جعل الماء أكثر من قلتين، وما دامت «الجزيرة» في الماء فلن يُفسده أحد -بإذن الله- فقد نجحت خلال هذه السنوات في تخريج غوّاصين حقيقيين يتقنون الغوص وليس السباحة فقط.