الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
04:28 م بتوقيت الدوحة

قضاء الانقلابيين

إسماعيل ياشا
قررت محكمة جنايات المنيا الاثنين الماضي إحالة 683 متهماً، من بينهم المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع، إلى مفتي الديار المصرية، للتصديق على حكم إعدامهم، في قضية قتل شرطي، والتحريض على اقتحام وحرق مركز شرطة العدوة شمال المنيا، كما قضت المحكمة نفسها بإعدام 37 من أنصار الإخوان والمؤبد لـ492 شخصا كانت أوراقهم أحيلت إلى المفتي فيما يعرف بقضية «قسم شرطة مطاي»، ومن ضمن هؤلاء الذين تم تأييد الحكم عليهم بالإعدام الفتى محمود أحمد زغلول الذي يبلغ من العمر 17 عاما. أحكام الإعدام التي وزعها القضاء المصري، كما يوزع الحلوى بالمجان أعادت ذاكرتي إلى الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال كنعان أفرين في تركيا وأحكام الإعدام الصادرة من قضاء الانقلابيين، وتذكرت الأرقام والقصص التي تؤكد أن الانقلابيين يشبه بعضهم البعض وأنهم أبناء عقلية وثقافة واحدة. بعد الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980 في تركيا، تم اعتقال حوالي 650 ألف شخص وطلب الادعاء حكم الإعدام في حق 7 آلاف شخص وقضت المحاكم على 517 شخصا بالإعدام وتم إعدام 50 منهم، كما تم توثيق مقتل 171 شخصا في السجون والمعتقلات تحت التعذيب وموت 300 شخص في ظروف غامضة. ولم يذكر في السجلات أنهم فارقوا الحياة تحت التعذيب الشديد، بل كتب في خانة سبب الموت «انتحر شنقا» أو «ألقى نفسه من الطابق الخامس» أو «مات بسبب المرض» أو ما شابه ذلك. هذا بالإضافة إلى آلاف المواطنين الذين قتلوا في الاشتباكات التي وقعت بين اليمينيين واليساريين ونفخ في نارها حتى تتهيأ الأجواء للانقلاب العسكري وليرى المواطنون الانقلابيين كأنهم منقذو البلاد. الفتى أردال أرن، البالغ من العمر 17 عاما والطالب في المدرسة الثانوية، كان من بين الذين حكم عليهم بالإعدام وتم إعدامهم. وكانت التهمة الموجهة له قتل جندي متعمدا خلال اشتباكات وقعت بين قوات الأمن والمتظاهرين إلا أنه رفض في المحكمة هذه التهمة قائلا: إنه أطلق النار في حالة خوف وارتباك ولم يكن يقصد قتل أحد. والأدلة لم تكن كافية لإدانته بهذه التهمة وإصدار الحكم عليه بالإعدام. وكان الرصاص الذي قتل الجندي قد أطلق من ورائه من مسافة قريبة، كما لم يتم فحص الرصاص للتأكد من أنه خرج من مسدس الفتى. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن عمر أردال أرن يسمح للانقلابيين بتنفيذ حكم الإعدام ولكنهم زادوا فيه سنة بتقرير طبي مزور وأعلنوا أن عمره الحقيقي 18 سنة ثم أعدموه في 13 ديسمبر 1980. لم تكن وسائل الإعلام منتشرة بهذه الكثافة في 1980 ولم تكن هناك مواقع للتواصل الاجتماعي لممارسة الضغط على الانقلابيين للحيلولة دون إعدام الفتى أردال أرن ولكن الظروف تختلف اليوم ولا بد من تكثيف الضغوط على سلطة الانقلاب في مصر حتى لا يتم إعدام محمود أحمد زغلول والآخرين. المجتمع التركي يعرف جيدا من خلال خبراته السابقة أن القضاء يتحول في يد الانقلابيين إلى آلة للقتل ويصبح سلاحا مثل الدبابة والبندقية، ويصدر الأحكام القاسية وفق مزاج الانقلابيين منتهكا أصول المحاكمة ويحكم على رئيس وزراء بالإعدام في قضية أشبه ما يكون بالمسرحية، كما حكم على عدنان مندريس بعد إسقاط حكومته بانقلاب عسكري، بل وقد يذهب إلى أكثر من ذلك، كما حدث فيما يعرف بـ «محاكم الاستقلال» في بداية عهد الجمهورية التركية حيث كان القاضي الشهير الملقب بـ «كليتش علي» يحكم على المتهمين بالإعدام على أن يتم جمع الأدلة فيما بعد تنفيذ الحكم. الانتقادات الدولية تتوالى على المهزلة القضائية في مصر وتطالب عدة دول ومنظمات دولية القاهرة بعدم تنفيذ أحكام الإعدام. سواء تم تنفيذ أحكام الإعدام كلها أو بعضها -لا سمح الله- أو لم يتم تنفيذها بسبب الضغوط والحسابات السياسية، فإن أحكام الإعدام الصادرة بالجملة في حق معارضي الانقلاب العسكري أثبتت مرة أخرى أن قضاء الانقلابيين لا يمت للمحاكمة السليمة وتحقيق العدالة بأي صلة.