الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
01:09 م بتوقيت الدوحة

سُنة العراق والتقسيم

إياد الدليمي
أثارت تصريحات رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي عن إمكانية لجوء العرب السنة إلى المطالبة بفيدرالية خاصة بهم، ردود أفعال غاضبة من قبل جوقة الساسة في المنطقة الخضراء، بل إن بعضهم طالب باستجواب رئيس البرلمان ومساءلته بشأن تلك التصريحات، ناهيك عن المزايدات الأخرى التي خرجت من هنا وهناك من دهاليز الأحزاب وغيرها في بغداد. وعلى ما يبدو فإن تصريحات النجيفي، كانت بالونة اختبار أطلقها، بهدف الضغط على نوري المالكي رئيس الحكومة من أجل سلوك طريق آخر غير الذي يسلكه الآن في التعامل مع المدن السنية، أو ربما هو محاولة من النجيفي وبعض من يؤيدونه لمعرفة واستمزاج الشارع العراقي. النجيفي قال في تصريح خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، مؤخرا، إن السنّة في العراق قد يفكرون بالانفصال أو بإنشاء إقليم إن لم تُعالج أسباب شعورهم بالإحباط الشديد وبأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وفي دفاعه عن نفسه عقب ردة الفعل على تصريحه، قال النجيفي: إن حق إنشاء الأقاليم مكفول بالدستور ولا يجب القفز عليه، مشيراً في هذا الصدد إلى أن هناك العديد من طلبات إنشاء الأقاليم وصلت إلى البرلمان العراقي، مطالبا من يعترض على ذلك بتغيير الدستور قبل أن يتكلم. ويبدو أن كلام النجيفي يحمل جانبا من الصوابية، فهو يتحدث عن فقرة دستورية واضحة وصريحة تؤكد حق كل محافظة في إنشاء إقليمها الخاص، كما سبق أن أجرت مدينة البصرة قبل نحو عامين استفتاء شعبيا حول إقامة إقليم البصرة، وفشل فشلا ذريعا، ناهيك عن وجود إقليم كردي قائم بحاله وشبه مستقل، يتقاضى نحو %17 من ميزانية الحكومة المركزية، مع عدم إشراك الحكومة المركزية بإيرادات الإقليم. اللافت في كلام النجيفي هو الإشارة الصريحة والواضحة لتهميش السنة، وهو أمر واقع، تؤكده الدلائل، فمنذ عام 2003 وعقب الغزو الأميركي للعراق، تعرض السنة للتهميش والإقصاء، تارة تحت مسمى الأغلبية والأقلية وأخرى تحت مسمى البعث والصداميين وثالثة تحت مسمى الإرهاب، وهلمّ جراً، حتى تحولت مدن سنية بكاملها إلى ساحة للحرب وتصفية الحسابات وتنفيذ الأجندات الخارجية. مشروع تقسيم العراق ليس بالجديد، فهو قديم، تؤكده وثيقة صهيونية وهي المعروفة بـ «وثيقة كارينجا» التي أعطاها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لصحافي هندي ونشرها في كتاب بعنوان «خنجر إسرائيل» الصادر عام 1957، علماً أن هذه الوثيقة صادرة من هيئة الأركان الإسرائيلية. كما كانت استراتيجية تقسيم العراق حجر زاوية في ورقة المحافظين الجدد لنتنياهو عام 1996، وفي المشروع الذي وضعوه في الولايات المتحدة عام 2000 في ورقة بعنوان «بداية جديدة». وفي 8/10/2006 نشرت صحيفة «تايمز» اللندنية خطة بيكر-هاملتون التي تقوم في أحد بنودها على تقسيم العراق على أسس طائفية وعرقية. وفي يوم 26/9/2007 أقر مجلس الشيوخ الأميركي خطة غير ملزمة لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم للحكم الذاتي هي كردستان وسنستان وشيعستان، حسب تعبير المروجين لمشروع «التقسيم الناعم» في مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية. إذن فتقسيم العراق مطمح أميركي صهيوني، تم العمل عليه منذ وقت ليس بالقصير، وسعت الإدارة الأميركية عقب احتلال العراق لتنفيذه، غير أنها اصطدمت بعراقيل عدة، لعل أبرزها المقاومة العراقية التي أفشلت المخطط، والوعي الشعبي لدي العراقيين بشكل عام، عندما أفشل أهل الجنوب مخطط المجلس الأعلى بقيادة عبدالعزيز الحكيم لإقامة فيدرالية الجنوب، ناهيك عن وجود مشاكل أخرى تتعلق بوضع مدينة كركوك الذي لم يحسم حتى الساعة. وطبعا، فإن هذا الرفض الذي جُوبه به المشروع لا يعني بحال من الأحوال أنه مات وقبر، فالمطالبون بالتقسيم ما زالوا هم الأبرز على الساحة، إيران وحلفاؤها في العراق، وإسرائيل وأميركا، في وقت ضعفت فيه شكيمة المقاومة العراقية، وأيضا بات الشعب العراقي يشعر بالوهن من سنوات الاحتلال وما رافقها. الجديد اليوم هو الحديث عن الإقليم السني، أو أقاليم المحافظات السنية، وهي التي طالما كانت الشوكة في حلق التقسيم والفيدرالية، فالمدن السنية عانت وطيلة سنوات الاحتلال من الظلم والتهميش والحرب العلنية والسرية من قبل الحكومات المتعاقبة، وصارت القوات الخاصة التابعة لمكتب نوري المالكي تقتحم الأنبار أو تكريت أو الموصل أو ديالى وتعتقل من تريد وتنقله إلى معتقل خاص في بغداد، ناهيك عن التحالفات المشبوهة من قبل قيادات بعض هذه المحافظات مع حكومة المنطقة الخضراء وما جرته على أبناء تلك المدن من ويلات. نقول، إن هناك من سعى ويسعى طيلة السنوات الماضية إلى دفع أهل السنة في العراق إلى القبول بمبدأ الفيدرالية وربما حتى التقسيم، فلقد أذاقوهم الويلات وحاصروهم في قُوتهم وحياتهم، وحولوا بعض المدن إلى أطلال تنعق فيها الغربان، والهدف هو الوصول إلى النتيجة التي يطمح لها مروجو مشروع الفدرلة، والتي هي بوابة التقسيم. يتحدث النجيفي عن فقرة واضحة في الدستور، فقرة وضعها ساسة المنطقة الخضراء تتحدث عن إمكانية إنشاء أقاليم، وبالتالي فإن طيّ هذه الصفحة ودحر مشروع التقسيم يجب أن يمر أولاً بإلغاء تلك الفقرة وإعادة كتابة الدستور. كنا نتمنى أن يكون أمر الفيدرالية، إذا كان لا بد منه، مقتصراً على الجوانب الإدارية واللامركزية في الحكم، إلا أن الفيدرالية التي ينادي بها البعض، والتي يمكن أن تقود إلى التقسيم، هي فيدرالية الطوائف والعرقيات، فيكون هناك إقليم شيعي وآخر سني وثالث قائم (الكردي). الضمان الوحيد للعراقيين اليوم هو إعادة كتابة الدستور، والاستعانة بخبراء قانونيين، لا كحال الكتبة الذين خطوا أخطر وأهم وثيقة في تاريخ العراق، قبل عدة سنوات، عندما كان بعضهم يخرج للإعلام يتحدث وهو لا يفقه حتى جمع كلمة «دستور» فيجمعها «دستوريات»، فدستور يا أهل العراق دستور. iyad732@yahoo.co.uk

اقرأ ايضا