الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
09:02 م بتوقيت الدوحة

مثقفون على كرسي الزعامة

إياد الدليمي
ليس الإسلاميون وحدهم من أتت بهم رياح الثورات العربية إلى دفة السلطة، بل كان للمثقفين أيضاً نصيبهم من هذا التغيير، فكان أن جلس المنصف المرزوقي، المثقف والمناضل التونسي، على كرسي قصر قرطاج، وأيضاً تزعم برهان غليون، صاحب ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، المجلس الوطني الانتقالي السوري، حتى صار يعرف بأنه وريث الأمويين الجديد، وفي ليبيا ومصر وتونس وسوريا وحتى اليمن، أمثلة تتسع كلما اتسعت رقعة الممارسات الديمقراطية التي نثرت ورودها في عدد من عواصم العرب. لقد ظلت -طيلة عقود- جدلية ثقافة السلطة أم سلطة الثقافة، تهيمن على نقاشات المثقفين في عالمنا العربي، فبعد أن يأس هؤلاء من تغيير حقيقي في سلطة الواقع التي كانت تسود، راحوا يروجون لمفاهيم من قبيل ثقافة السلطة لا سلطة الثقافة، وهو أمر يبدو أنه كان واقعياً أيضاً، كواقعية الأنظمة التي كانت قائمة، والتي منحت لنفسها، أو قعدت، إن شئنا الدقة، لنفسها قواعد لثقافة السلطة، ولعل واحدة من أبرز تلك القواعد، هي الهوة الشاسعة التي حفرتها بينها وبين المثقف والثقافة. بعد ذلك بدأت الأنظمة، إثر إقصاء المثقف من الحياة السياسية، بترسيخ ثقافة جديدة، سعت، لعقود من الحكم الشمولي الديكتاتوري، لإزاحة الثقافة الحقيقية، وكانت بديلها، حيث تم تلميع الأسماء، وتزيين الصور، والتلاعب بالألفاظ، ومنح الألقاب، لكل من ساير تلك الثقافة الجديدة، التي روجت لها الأنظمة الشمولية. صار المثقف هو من يجتهد في ترجمة أفكار الحاكم، من يجتهد في أن يكون جسراً بين أفكار النظام الشمولية والشارع، تحول المثقف، أو من أراد له النظام أن يكون مثقفاً، إلى ورقة بيد النظام، يستعملها في الترويج لأفكاره، لم تعد هناك أفكار للمثقف، فكل الأفكار كانت للزعيم والنظام، ودور المثقف هو كيفية التطبيل والتزمير لها. انزوى العشرات بل قل المئات من المثقفين، بينما غيب السجن والاغتيال والتهجير وجوهاً أخرى، حتى صار البحث عن مثقف لا ينافق هذا النظام أو ذاك كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، وخيل لمن يتابع المشهد بأن مثقفينا تعرضوا لما تعرضت له نمور زكريا تامر في يومها العاشر، التدجين. لقد تحولت الثقافة العربية طيلة عقود إلى غانية تنتقل من ملهى إلى آخر، بلا شرف ولا ضمير، ضيعت البوصلة وصارت تساير مصلحتها لا مصلحة الأمة، فلم نعد نسمع عن تيار ثقافي عربي، شعراً أو نثراً أو فكراً أو أيدلوجيا، كما عهدناها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وانسحر المثقفون والثقافة معهم، وغابت حركات ثقافية، وانزوت أخرى، وكل ما بقي لدينا، هو تراث لمرحلة مرت. ليس عيباً أن يقتنع مثقف ما بوجهة نظر نظام هنا أو هناك، ولكن العيب كل العيب أن يتحول هذا المثقف أو ذاك لبوق، بوق ليس إلا، خاصة أن عالمنا العربي، ما كان فيه نظام قبيل الربيع يستحق أن يدافع عنه مثقف، فأغلب تلك الأنظمة التي ثارت عليها شعوبها، هي أنظمة قمع واستبداد وديكتاتورية، حولت الشعوب إلى قطيع أغنام، والبلاد إلى مزارع للأسرة الحاكمة. اليوم يجب أن يكون هناك إعادة صياغة للثقافة، فليس مطلوباً من المثقف أن يكون زعيمنا الجديد، ولكن إن وصل إلى كرسي السلطة باختيار الشعب فأهلاً وسهلاً به. ما نحتاجه اليوم كشعوب، وقبل أن نضع المثقف في سدة الرئاسة، أن تعمل تلك النخب الثقافية، التي نجحت في الهروب من تدجين أنظمتنا السابقة، لإعادة إنتاج الخطاب الثقافي للشعب العربي، أن تعمل تلك النخب المثقفة لبلورة ثقافة جديدة تقوم على أساس احترام حرية الإنسان، تقوم على أساس مبدأ تكافؤ الفرص، أن تروج لنمط عربي في السلطة، نمط يستمد من تاريخنا الإسلامي أمثولاته، دون أن يغفل الاقتباس مما وصلت إليه الحضارة الغربية، نموذجاً منفتحاً على الجميع. مطلوب من مثقف اليوم أن يصنع ثقافة المزج بين السلطة والثقافة، فلا إقصاء للنخب الثقافية عن السلطة بعد اليوم، ولا تهميش للإنسان بسبب أيدلوجيا أو معتقد أو عرق، ثقافة يجب أن تسود، ولا بد لها من مثقفين يكونون أدوات بيد شعوبهم، يستطيعون أن يوجهوا بوصلتهم في المرحلة المقبلة. نعم التجربة، ولا شيء غير التجربة، هي من سيحكم في النهاية على إمكانية المزاوجة بين الثقافة والسلطة، وإن كنا نعتقد أن التاريخ، خاصة تاريخنا الإسلامي، حافل بمثل هذه المزاوجة، إلا أننا يجب ألا نغفل أيضاً، أن واقع اليوم مغاير تماماً لما كان قبل عقود أو قرون. أمام المثقف، الذي طالما اهتزت صورته بفعل أشباه المثقفين أيام الأنظمة الشمولية، أن يعيد ترميم صورته، وأن يتفاعل مع شارعه الذي غيب عنه قسراً، أن يؤكد من جديد أن لديه ما يمكن أن يمثل حلولاً لمشاكل شعوب أرهقتها الأنظمة الشمولية، بمعنى أدق، ألا يبقى متربعاً في برجه العاجي، ينظر إلى الشعب كقطيع من المتخلفين الذين لا ينفع معهم جرعة ثقافة هنا أو حبة أفكار نيرة هناك.

اقرأ ايضا