السبت 13 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2020
 / 
10:42 ص بتوقيت الدوحة

التلوث السياسي في مصر.. مسؤولية من؟!

أحمد حسن الشرقاوي
التلوث في مجال البيئة العامة مثل الماء والهواء والتربة وغيره ليس النوع الوحيد من أنواع التلوث الذي يستدعي اتخاذ احتياطات وإجراءات للحماية من بينها التعقيم وارتداء الكمامات على الأنف كإجراءات مؤقتة للحد من آثار التلوث البيئي وأضراره على الإنسان وكافة المخلوقات.
في الفترة الأخيرة اكتشفنا أن التلوث البيئي ربما يكون أسهل أنواع التلوث التي يمكن محاصرتها وعلاجها، ففي مصر على سبيل المثال انتشر التلوث منذ سنوات طويلة فلم يعد مقتصرا على تلوث البيئة المادية المحيطة بالإنسان من هواء وماء وتربة وكل ما تراه عينك فوق الأرض وتحتها، بل امتد ليطال التلوث السمعي والبصري والتلوث النفسي، وأخيرا ما يمكن أن أطلق عليه التلوث السياسي..
وحتى تتضح الفكرة التي أتحدث عنها في هذا المقال، ربما يسأل البعض عن المقصود بالتلوث السمعي، وهنا يمكن أن يروي لك أبناء جيلي ممن هم على مشارف العقد الخامس من العمر كيف بدأ ما يعرف في مصر باسم «الفن الهابط» في غزو الذوق العام لقطاعات كبيرة من المصريين من مختلف الطبقات الاجتماعية، ويرصد البعض هذا الغزو زمنيا بالفترة التي أعقبت حرب 5 يونيو 1967 وتلك الهزيمة العسكرية الثقيلة التي منيت بها القوات المصرية في تلك الحرب، والتي أعقبتها مسرحية تنحي ناصر عن الحكم وخروج الجماهير لتقول له: «لا تتنحي».. وكأن لسان حالها يقول له بعد تلك الورطة الكبرى: أين تذهب وتتركنا؟ وبقية المسلسل المعروف من إخراج قائد الجيش الجنرال عبدالحكيم عامر من معادلة الحكم كشريك لجمال عبدالناصر والزعم أنه أقدم على الانتحار، وبعد أن استتب أمر الحكم لناصر منفردا بدأت محاولات السيطرة على الشعب الغاضب الثائر الذي يطالب بالقصاص من إسرائيل، فقامت مخابرات صلاح نصر في ذلك الوقت بتشجيع نوع من الفن والغناء والموسيقى التي أطلقنا عليها فيما بعد»الفن الهابط».. وتم تشجيع ودعم مغني شعبي شاب مثل أحمد عدوية لتتجاوز مبيعات أسطواناته وألبوماته كبار مطربي ذلك العصر مثل كوكب الشرق أم كلثوم وعندليب الثورة عبدالحليم حافظ!!
في ذلك الزمان، مع مطلع العقد السابع من القرن العشرين اكتسحت أغنية» السح الدح امبو» لعدوية أسماع المصريين وانتشرت في المنطقة العربية والعالم، كما انتشرت أغاني مثل: «العتبة قزاز» و»الطشت قال لي» وغيرها من الأغاني المشحونة بإيحاءات جنسية رديئة ولا تقدم إسهاما فنيا على الإطلاق في وظيفة الفن الأولى وهي الارتقاء بمشاعر وأحاسيس الناس والسمو والارتفاع بها، ولعل ذلك هو ما دفعنا في ثمانينيات وتسعينيات القرن لإطلاق وصف «الفن الهابط» على تلك النوعية من الفن؛ لأنها تهبط إلى غرائز عموم الناس وتتحدث معهم بطريقة لا تساهم في الارتقاء بالمشاعر والأحاسيس.
وأتصور أن تلك الفترة كانت البداية الثانية لتأسيس الذراع الإعلامية في مصر بعد أن كانت البداية الأولى في تنظيم الفنانين الكبار مثل محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ ليساندوا بألحانهم وموسيقاهم وغنائهم حركة الضباط التي أطلقوا عليها فيما بعد ثورة 23 يوليو 1952، واستمرت موجات التجنيد والدعم لتلك الذراع الإعلامية حتى وصلنا إلى مطربي الانقلاب العسكري الحالي وإعلامييه وصحفييه وبقية أركان تلك الذراع الإعلامية التي تحدث عنها زعيم عصابة الانقلاب بنفسه في أكثر من مناسبة. المهم أن هذه الذراع الفنية والإعلامية هي المسؤولة عن حدوث التلوث السمعي لدي المصريين منذ عشرات السنين بتشجيع ودعم ومساندة من أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية الأخرى في دولة البوليس والمخابرات في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي.
ولعلني هنا أشير إلي أن ما كان قبل 23 يوليو 1952 لم يكن محاولات منظمة من الدولة لخلق ذراع إعلامية وفنية لمساندة النظام وإن كانت، في تقديري، عبارة عن محاولات فردية واجتهادات من جانب بعض المنتفعين للتقرب إلى الملك فاروق وربما شجعتها الدولة العميقة، وأبرز الأمثلة على ذلك أن الفنان محمد عبدالوهاب في بداية أربعينيات القرن العشرين غني أغنية «محلاها عيشة الفلاح» وكأنه يحسد الفلاح على عيشه الرغيد الهانئ بينما عموم الفلاحين بمصر كانوا يعيشون في حالة فقر مدقع وتنتشر بينهم ثلاثية التخلف «الفقر والجهل والمرض»!!!
كانت هذه محاولات فردية لم تتبناها الدولة رسميا سوى بعد حركة الضباط في يوليو 1952 وتأسيس جهاز المخابرات العامة وبدء استخدام الفنانات المصريات في عمليات السيطرة على المسؤولين والمنافسين السياسيين بل والمسؤولين الأجانب عن طريق تصويرهم معهم في أوضاع مخلة، واستمر العسكر في تلك السياسة التي أدت إلى ما يمكن وصفه حاليا بالتلوث الفني والسمعي وأدى إلى آثار جانبية ضارة للغاية بالذوق العام للمصريين.
المثير أنك تجد بعض المسؤولين الجهلة حاليا يشكون من تلك، ويخرج علينا جاهل متفلسف مثل حلمي النمنم وزير ثقافة الانقلاب ليتحدث عن مدى التردي الذي أصاب الذوق العام للمصريين؟!!!
التلوث الذي أصاب الذوق العام للمصريين، امتد ليصيب المجال السياسي، فوجدنا سياسيين، من بينهم بعض الثوريين المناهضين للانقلاب، يعانون من آثار التلوث السياسي نتيجة لانخراطهم في عمل سياسي طويل في فترة ما قبل ثورة 25 يناير 2011، وفي هذا تفصيل أكثر في الأسبوع المقبل إن شاء الله.

• Sharkawi.ahmed@gmail.com