السبت 10 جمادى الآخرة / 23 يناير 2021
 / 
10:54 ص بتوقيت الدوحة

التغلغل الناعم

بثينة عبد الله آل عبد الغني

تولي الدول المتقدمة للاعتمادات الأكاديمية الخاصة بمؤسسات التعليم والتعليم العالي اهتماماً بالغاً؛ لإيمانها بأن المطلوب اليوم «تعليم» من نوع جديد، يهيئ الفرد والمجتمع لديناميكيات عصر الثورة المعرفية والتكنولوجية.
 وفي ضوء تبني دولة قطر تلك الأنظمة الدولية، وتسابق أصحاب القرار للحصول على تلك الاعتمادات الأكاديمية، وفتح باب الاستثمار في مجال التعليم لرجال الأعمال على مصراعيه، أفرز -ذلك كله- وفرة في المدارس الأجنبية في المجتمع، في الوقت الذي حرصت فيه دولة قطر وأكدت على وطنية النظام التعليمي الرسمي، والالتزام بهويته الوطنية، ولا سيما بعد اعتماد تجربة المدارس المستقلة على مدى العشرين عاماً الماضية.
وكلنا يعلم أن هذه الاعتمادات الدولية وما شابهها ما هي إلا تجسيد حقيقي للتبعية الثقافية لتلك الدول، إذ هرعت المدارس تتنافس في تطبيق معايير تلك الاعتمادات الدولية، لتقدم مناهج ومواد بمواصفات تتفق وثقافة تلك الدول. 
ومن العوامل الرئيسة التي جعلت من الاعتمادات الدولية للمدارس صناعة عالمية، وتجارة رائجة في العالم، تزايد الطلب على المدارس الدولية من جهة، ونهم الدول الناطقة بالإنجليزية وغيرها للأرباح الطائلة التي تجنيها، نظير التوسع في إنشاء هذه المدارس في العالم من جهة أخرى.
لذا فإن الخطورة في ذلك تكمن في تحكّم الجهات الاستثمارية في الشأن التعليمي، وتحديد خياراته التي يدفع فاتورتها أبناء مجتمعاتنا، وفي ظل الظروف الحالية التي تمرّ بها المنطقة العربية، فإن وجود أي نظام تعليمي أجنبي لا يمت بصلة ثقافية لتلك المنطقة سيكون المبرر لوجوده هو الباعث الاقتصادي أو السياسي، ما يشكل تهديداً صريحاً لمقومات هذا المجتمع وثوابته، وهويته.
مع العلم أن موضوع الاعتمادات الدولية للمدارس وأنظمتها أثارت -وما زالت- تثير جدلاً واسعاً بين المعنيين من التربويين والباحثين، وصناع القرار حول الدور الثقافي والتربوي الذي تلعبه تلك المدارس الأجنبية من خلف الجدران في المجتمعات العربية والإسلامية، ما يشكل تهديداً وخطراً على الهوية الثقافية لتلك المجتمعات التي تستضيفها، إضافة إلى ترسيخ مبدأ الطبقية الاجتماعية عند الأسر، حيث تستقطب هذه المدارس فئات اجتماعية معينة ذات طموحات تفوق قدرة طلاب المدارس الأخرى على تلبيتها، وتحمل مصاريفها الباهظة.
وبالرغم من ذلك فنحن لا نغفل أهمية وجود تلك الاعتمادات الدولية للمدارس في البلدان العربية، ولسنا ضدها، بشرط أن يكفل لنا صُنّاع القرار ما يلي:
أولاً: إعطاء صورة إيجابية ومنضبطة عن الانفتاح على مؤسسات التعليم الأجنبية، وفق تشريعات قانونية تحفظ عقول النشء من الانحرافات العقدية والفكرية.
ثانياً: الالتزام باللغة العربية في التعليم لأبناء الوطن خاصة، ولأبناء الوافدين عامة في المرحلة الابتدائية، عملاً بالمادة رقم (1) من دستور دولة قطر، والتي تنص على أن اللغة الرسمية هي اللغة العربية، مع إتاحة أنماط تعليمية متطورة في التعليم.
ثالثاً: دعم المؤسسات التعليمية الوطنية وإتاحة الفرصة لها لإثبات نجاحها، في ظل التنافس الإيجابي بين المؤسسات الوطنية والأجنبية.
رابعاً: المواءمة بين الاعتمادات الدولية والسياسات التربوية المحلية -ولا سيما حال التنافر الشديد بين ثقافة الجهة المانحة للاعتماد، وثقافة البلد المضيف- للحدّ من التأثير السلبي لتلك الاعتمادات على الهوية الثقافية، وخاصة في ظل الإقبال المتزايد عليها.
خامساً: إعادة الثقة في منظومة التعليم الوطني، وتعزيز مصادر القوة فيه (القيادة والمعلم) لدى أفراد المجتمع، إضافة إلى تعزيز دور الأسرة في العملية التعليمية، والتركيز على مشاركتها البناءة.
ختاماً.. وفي ظل هذه المنافسة في مجال التعليم، وسعياً منا لتحصين أفكار أبنائنا وانتماءاتهم من أي اختراق ناعم تتصدره الثقافات الغربية والغريبة علينا، يلوح في الأفق سؤال هو: هل الاعتمادات الدولية للمدارس مهدد ثقافي؟ أم حوار حضاري؟
المقال القادم كيف نحصّن أبناءنا ضد مآلات التعليم الدولي؟