الأربعاء 10 ربيع الثاني / 25 نوفمبر 2020
 / 
11:11 م بتوقيت الدوحة

«الهيتي» قبل المغادرة: تذوّقت حلاوة أخلاق أهل قطر

عبد الله الحامدي

الثلاثاء 27 أكتوبر 2020
خلال حفل تسليم أكاديمية قطر اعتماد المدرسة

مدير أكاديمية قطر للموسيقى لـ «العرب»: مَن يعمل بالدوحة لا يرغب بالرحيل عنها
الدوحة أضحت عاصمة للثقافة.. وموطناً لتهافت العلماء والأدباء والشعراء 

 

الدكتور عبد الغفور الهيتي -أحد أعلام التربية في عالمنا العربي- أمضى شطراً من حياته في قطر، مديراً لأكاديمية قطر للموسيقى التابعة لمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، والتي تم افتتاحها رسميّاً في الحي الثقافي «كتارا» عام 2011؛ لينتسبَ إليها مئاتُ الطلبة، وتُخرِّج دفعات متتالية بشهادات معتمدة عالميّاً، ولعلَّ أهم ما يميّز الأكاديمية تعليم الموسيقى العربية إلى جانب الموسيقى الغربية، على مختلف الآلات، فلا تخفى جهود د. الهيتي في رسم استراتيجيتها لتحقيق نهضة موسيقية حقيقية في قطر، وإحياء التراث الموسيقي القطري الأصيل بأسلوب معاصر، فهو يؤمن بمقولة: «من يختار مهنة التدريس لا ينفك ينهل العلم أمد الدهر»، كما جاء ذلك في نصوص سيرته الذاتية.
ولد د. الهيتي في العراق منتصف القرن العشرين، وتخرَّج في المعهد العالي بجامعة بغداد، حيث حصل على الشهادة الجامعية العليا في تخصص التربة واستصلاح الأراضي، وجاء ترتيبه الأول على دفعته، ثم انتظم في كلية الآداب، ونال شهادة البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ثم نال دبلوم في المقارنات – تأثير أنواع الملوحة من ألمانيا، التحق بعدها بكلية التربية في جامعة Hull البريطانية، حيث حصل فيها على درجة الدكتوراة في فلسفة التربية، أعقبها حصوله على الزمالة بعد الدكتوراة.
فيما يلي حوار مع المربّي العراقي – البريطاني الفاضل الدكتور عبد الغفور الهيتي، حول أبرز الإنجازات التي حققها في مجاله الأكاديمي الإبداعي الرائد، والذكريات التي انطبعت في مخيلته عن قطر، التي بادل أهلها حبّاً بحب، حيث يتأهب حالياً لمغادرة البلاد، عائداً إلى لندن، ليلتحق بأسرته هناك، فإلى تفاصيل الحوار:

كيف بدأت قصة
مجيئك إلى قطر؟
-  بدأت القصة عندما اكتشفنا الطيبون ممن التقينا من الأخوة القطريين في لندن، حيث يقضون إجازة الصيف، يوم كانت درجات الحرارة في مدينة لندن (عاصمة الضباب) مرتفعة إلى مستويات غير مألوفة، عقب خط من الجفاف منذ الشتاء الذي سبق ذلك الصيف، مما حدا بالسلطات البريطانية إلى التعميم بعدم استعمال خراطيم المياه من قبل المتنافسين على الاصطياف والسكن على ضفاف نهر التيمز الشهير، وقد وجد الأحبة القطريون -على ما يبدو- فينا ما يسرُّهم من مؤهلات، قد تستفيد منها المؤسسة التربوية في دولة قطر، فشجعونا على العمل في قطر، ولا أدري إن كنت فعلاً قد قدَّمتُ ما يسرُّهم منذ العام 2008، وهو العام الذي تم استقدامي للعمل بصفة مدير أكاديمي لأكاديمية قطر للموسيقى، وقد تم التمهيد للعمل في قطر، أعني قبل 2008، بدعوتي لزيارة قطر، وما تخللها من دعوة كريمة لأداء فريضة الحج .

موطن العلماء والأدباء
وأنت تتأهب لمغادرة البلاد، ما أكثر ما يلوح في مخيلتك عنها، بعد سنوات من الإقامة فيها؟
-  تجربتي في قطر كانت حقّاً فريدة وغنية للغاية، فلقد حلقت في سمائها، وخضت بحارها، وتذوّقت حلاوة أخلاق أهلها، وذقت طعوم مأكلها، وارتديت حلل أثوابها، ولمست طيبة أبنائها، ودُعيت إلى مجالسها، حيث ينعم أهلها بالحرية، وعملت في أفضل مؤسساتها، واشتركت في التأسيس لبعض معاهدها، وأدليتُ بدلوي في نواديها، وظهرت على شاشات إعلامها، وطبعت فيها خير ما ألّفت من الكتب، فلها علينا من الفضل أعظمه، ومن البر أحسنه، ولها ولأهلها علينا بذلك حرمة وذمام، وقد وجدتُ أن معظم من عمل فيها من أصدقائنا من السفراء والخبراء والمديرين والعاملين بمختلف مراتبهم، وفي مختلف المؤسسات لا يرغبون بالرحيل عنها، ولا يفضّلون العمل في غيرها من بلاد، وهذا يعود للأمن المستتب، والحياة الكريمة، والعناية في مجالات الصحة والتربية، فضلاً عن ثقافة التعامل والاحترام والتقدير الذي يجدونه من القطريين، وتكاد أرواح الذين عملوا في قطر من مختلف بقاع الأرض تبقى معلقة بالحنين إليها، وبالدعاء لأهلها بالنجاح والفلاح، فيا لها من اثني عشر عاماً قضيتها فيها! ولربما استعملت كلمة "عاماً" بدلا عن كلمة "سنة"؛ لأن العام يدلُّ على الخصب والنماء، ويزيد أهل قطر شرفاً تواضعُهم الجم، واعترافهم بأهل الفن والعلم وأصحاب الاختصاص؛ لذا أضحت الدوحة عاصمة للثقافة، وموطناً لتهافت العلماء والأدباء والشعراء إليها، حيث مختبرات العلوم، ونوادي الرياضة، وأروقة العلم، ونشطت فيها معارض الكتب، وارتفع فيها صوت العقل حيث تُعقد فيها مؤتمرات السلم والتضامن، وأكاد لا أستطيع حصر فضائل القطريين في مساعدة المحتاجين من الناس في كافة أرجاء الدنيا، والذين يعانون من ويلات الحروب ودمار الكوارث، حِسبة منهم لله دون أيّ منّة منهم.

الأكاديمية الأولى بالمنطقة
كيف تقيّمون مسيرة أكاديمية قطر للموسيقى، وقد أشرفتَم على تأسيس هذا المشروع الحضاريّ الفنيّ؟
-  أكاديمية قطر لها السبق في طرح مشروع وضع المناهج الموسيقية للمدارس القطرية كافة، وقد أنشأت المكتبة الموسيقية المتخصصة، لترفد العاملين والباحثين في مجال علوم الصوت والنغم، كما كان لها دور أساسي في دراسة تأسيسية لمشروع العلاج بالموسيقى، الذي يهدف إلى إيجاد مجالات بحثية للمساعدة في التخفيف من أزمات أمراض التوحد، وتقليل آلام مرضى السرطان وغيرها من الإعاقات، كما أن الأكاديمية أسهمت في تدريب المدرسين الموسيقيين على مستوى قطر كلها، وأنشأت الأكاديمية رابطة للمدرسين الموسيقيين لزيادة قدراتهم، فلقد أصبحت الأكاديمية بفضل من الله محط أنظار الموسيقيين في العالم، ونظراً للمواهب العالية لدى طلبتها فقد شاركوا في العزف المباشر مع أوركسترا قطر الفلهارمونية أكثر من مرة، وهذه شهادة لتمتع الأكاديمية بأعلى المعايير العالمية، ما أدى بدوره لحصول العديد من طلبتنا على المراتب الأولى في المسابقات على الجوائز العالمية في مجال الموسيقى، كما أن الأكاديمية طرقت أبواب المدارس الأكثر عراقة وشهرة في العالم، لتنضوي تحتها في مجال الاختبارات، فاختارت المدارس الموسيقية الملكية في بريطانيا التي ترأس مسيرتها ملكة بريطانيا، كما أننا عملنا جهدنا لانتخاب أفضل المدرسين من أفضل المعاهد العالمية لاستقدامهم في تدريس طلبتنا الذين يربو عددهم على 500 طالب وطالبة، ويشكّل القطريون منهم نسبة متنامية وممتازة، ولتكتمل الصورة المثلى فإننا آلينا على أنفسنا أن نقتني أفضل وأرقى الآلات الموسيقية في عالم الصناعة، وفعلاً تم حصول الأكاديمية على شهادة من كبرى الشركات بأن أكاديميتنا هي الأولى في الشرق الأوسط،  رغم أنها ما زالت في عقدها الأول، حيث تم افتتاحها عام 2011.
 رغم أنها عالمية والتعليم فيها بالإنجليزية، فإن الأكاديمية أضافت التعليم فيها بالعربية،

 هل يعود هذا المزج إلى جهودك فيها كونك عراقيَّ الأصل وتحمل الجنسية البريطانية، وما مدى أثر ذلك في خصوصية أكاديمية قطر للموسيقى؟

-  لقد كنتُ وما زلتُ مؤمناً بأن الأمة التي تستهين بلغتها ليست بأمة على الإطلاق؛ لذا كان من أولى مبادراتي أن تكون لغة الأكاديمية ثنائية على الدوام، وتشجيع المعلمين والمدربين على استعمال اللغة العربية، وعكفتُ في بداية الأمر على تنظيم منهج متكامل باللغة العربية لتدريس مادة اللغة، حيث كان طموحي أن نفتح الأكاديمية لتدريس المناهج الأكاديمية كمدرسة متكاملة، بالإضافة إلى مواد الموسيقى.

تميّز موسيقى البحر

ما الذي يميّز التراث الموسيقي القطري برأيك؟
-  بادئ ذي بدء، قطر كغيرها من دول الخليج كان لها النصيب الأوفر في الاعتماد على البحث عن اللؤلؤ في الخليج العربي، حيث كانت المهنة الضرورية لشريحة مهمّة من المجتمع القطري، وبطبيعة الحال تنامت مع تلك المهن طقوس فنية عندما يذهب الصيادون على متن قواربهم يتقدَّمهم شخص يغني أغاني البحر، ويطلق على ذلك الشخص النهّام، والذي يتميّز بصوته العذب، وكأنه يناغي أمواج البحر، وما تحتوي قيعانه من الصيد الثمين، فمن البحر طعامه ومن كنوز البحر غناه، وقد تعارف البحّارة على تسمية هذا اللون من الغناء اسم "الشيلة"، والتي تُغنّى أثناء نقل الأمتعة، ولتنسيق التجذيف وبث روح التعاون بين مجموعة البحارة ورفع هممهم، مستخدمين الشعر الزهيري، وهذا اللون من الفنون -أعني تراث الأغنية البحرية- في اعتقادنا يحظى الآن بتشجيع كبير من المؤسسات الثقافية القطرية، حيث تجد ذلك في وجدان كل خليجي، ويُعَد أحد أهم عناصر التراث القطري، ومن الضروري تعريف العالم بتلك الفنون.

_
_
  • العشاء

    6:13 م
...