الثلاثاء 6 جمادى الآخرة / 19 يناير 2021
 / 
02:11 ص بتوقيت الدوحة

«الكوهجي».. عائلة أنارت درب أبنائها المكفوفين

حنان غربي

الخميس 26 نوفمبر 2020

وليد: والدتي تستحق لقب الأم المثالية

فيصل: المجتمعات تشكّل «إعاقة لذوي الإعاقة»

مسيرة فيصل.. الأول على دفعته بالجامعة.. ومستشار قانوني في «ميرسك».. وعميد لاعبي العرب في كرة الهدف للمكفوفين

وراء كل نجاح أشخاص، ضحوا صبروا ثابروا، وقدموا الكثير من الدعم، عائلة «العرب» هذا الأسبوع هي عائلة استثنائية بمعنى الكلمة، إذ استطاعت تحدي إعاقة الأبناء، واستنهاض إرادة التحدي، فكان التفوق كبيراً.
أن تعيش مع طفل من ذوي الإعاقة البصرية فذلك أمر ليس بالهين، ويحتاج إلى كثير من الصبر، لكن أن يكون ثلاثة من الأطفال كلهم من ذوي الإعاقة البصرية، وتصل في تربيتهم إلى بر الأمان، فذلك هو التفوق والتوفيق والنجاح.
عائلة الكوهجي تتكون من ثمانية أطفال، ثلاثة منهم يعانون من الإعاقة البصرية، رزقت العائلة بأول طفلة وكانت سليمة، لكن شقيقها الثاني وليد ورغم أنه ولد سليماً فإنه كان يعاني من ضعف البصر، وكانت والدته أول من اكتشف مرضه.
«كنت صغيراً وكانت والدتي تدرك أنني أعاني من مشكلة ما، رغم أنها لم تستطع تحديد ماهية المشكلة، ولذا والدتي تستحق لقب الأم المثالية بجدارة».. هكذا بدأ وليد يروي قصته، ويضيف: أمي استطاعت وبدون مؤهلات علمية كبيرة وضعي أنا وإخوتي على سلم التفوق، ولم تكل أو تمل من استكمال مشوارها معنا بظروفنا الخاصة أنا وإخوتي حسن وفيصل.
ويواصل: اعتمد الوالد والوالدة في أسلوب تربيتهما لنا على البساطة، وعدم الاهتمام بنا بصورة مبالغة بسبب إعاقتنا البصرية، كانا يعاملاننا كأطفال طبيعيين مثل باقي إخوتنا، تعلمنا الاعتماد على النفس، خصوصاً أننا أنا وإخوتي المكفوفين مررنا بمراحل خلال حياتنا فقد ولدنا مبصرين، وفقدنا البصر تدريجياً، فقد عشنا السنوات الأولى من حياتنا بشكل طبيعي، قبل أن نصاب بكفّ البصر، لكن في مراحل الإعدادي بدأ بالنسبة لنا التحول والصعوبات بالظهور.
واستطرد: لكن بفضل الله ودعم العائلة استطعنا كلنا أن ننجح ونتفوق، ونصل إلى المراحل الجامعية، ونتخرج كلنا بتفوق.

الرضا بدون استسلام
يقال إن الطفل الأول دائماً بالنسبة للعائلة هو حقل التجارب، فما بالك لو كان الولد الأول مكفوفاً، كان وليد بالنسبة لأسرته مصدراً للخبرة وطريقاً لتعلم كيفية التعامل مع شقيقيه اللذين ولدا بعده، وهما حسن وفيصل.
كانت الأسرة كلها راضية بما قسمه الله لهم، وفي نفس الوقت غير مستسلمة، فقصص النجاح والتفوق في العائلة لم تتوقف عند الابن الأكبر وليد وأخيه حسن، بل استمرت مع آخر العنقود فيصل.
فمن يملك الإرادة يستطيع تحقيق كل شيء، حتى ولو كان صعب المنال، ومن لديه المثابرة والطاقة والصبر سيتغلب على المصاعب.
استطاع فيصل تخطي صعوبات الحياة مع الإعاقة، وسطر قصة نجاح وإصرار يُحتذى بها، بإرادة قوية وعمل دؤوب، بدأ مع إصراره على إكمال مسيرته التعليمية وحصوله على شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة قطر، بتقدير امتياز وبترتيب الأول على دفعته في عام 2011م، قبل أن يعمل مستشاراً قانونياً بإدارة الشؤون القانونية في شركة ميرسك قطر للبترول، وأحد المشاركين في برنامج تطوير القطريين لتولي وظائف قيادية في الشركة، وامتد تفوقه إلى المجال الرياضي، إذ يُعد بطلاً في رياضات ذوي الإعاقة، وعميد لاعبي العرب في رياضة كرة الهدف للمكفوفين.
تخطت مسيرته العوائق الاجتماعية الصعبة، التي من شأنها أن تزيد من معاناة فئة قادرة على التميز، وتغيير الصورة النمطية الملازمة لها، حيث رأى فيصل أن كل إنجاز أو تكريم هو محطة لمواصلة التقدم وتحقيق مزيد من الإنجازات والأهداف المرسومة على المدى القريب والمتوسط، وكذلك الأهداف على المدى البعيد.
التحق فيصل منذ نشأته بمركز قطر الاجتماعي والثقافي للمكفوفين، حيث تم تكليفه بالإشراف على أنشطة البنين بالمركز بشكل رسمي عام 2012م، ومثل المركز في عدد من الملتقيات والمؤتمرات الخارجية، كما تم تكليفه بمجموعة من المهام القيادية في عدد من الفعاليات، وله العديد من المساهمات في مجال ذوي الإعاقة.
شارك فيصل في جائزة التميز العلمي من خلال رسالة معنونة بالحماية القانونية للأشخاص ذوي الإعاقة، والتي تم تقديمها كأحد متطلبات التخرج من ماجستير القانون الخاص من جامعة قطر ضمن الدفعة 41 لعام 2018، حيث تم تكريمه بالجائزة لفئة حاملي درجة الماجستير في التخصصات الأدبية.
عاش فيصل حياة طبيعية جداً.. يقول: منذ طفولتي لم تميز عائلتي بيني وبين إخوتي، فكما كان لي حقوق كان عليّ واجبات، والإعاقة لم تكن معيقة لي، خصوصا أنني ولدت سليماً وفقدت نعمة البصر تدريجياً بعد عمر الثالثة عشرة، ورغم أن بوادر ضعف النظر كانت بادية عليّ، فإنني استطعت تخطي ذلك والتفوق في دراستي، استفدت كثيراً من تجربة أخي وليد الذي كنت أعتبره والدي الثاني بحكم فرق العمر الذي كان بيننا، وأخي حسن، فتجربتهما ألهمتني كثيراً وساعدتني على التكيف والتأقلم مع إعاقتي البصرية.
يوضح فيصل أن أكثر مراحل حياته صعوبة كانت في عمر الثالثة عشرة، وهو العمر الذي فقد فيه البصر كلية، لأن الانتقال من النور إلى الظلام كان يشكل صعوبة بالنسبة له، واحتاج إلى فترة للتأقلم مع الوضع الجديد، خصوصاً أنه كان يتعلم بطريقة عادية، وكان متفوقاً في دراسته ليجد نفسه مضطراً إلى تعلم طرق وتقنيات جديدة في التعليم.
يواصل: في مرحلة الإعدادي وجدت بعض الصعوبات مع بعض الأساتذة الذين لم يقدّروا وضعي الجديد، وساعتها تدنى مستواي التعليمي من امتياز إلى المستوى الجيد، إلى أن اتبعت نهجاً جديداً في الدراسة، حيث عوضت الكتب المكتوبة بكتب مسموعة، أول سنة كانت صعبة لكن بعدها استطعت تجاوز كل العراقيل وعاد مستواي إلى ما كان عليه من قبل، لكن أكثر ما ساعدني في تلك المرحلة كان الدعم الذي كنت أتلقاه من عائلتي، وخصوصاً والدتي وأخي الكبير، كما أنني كنت قد تدربت قبل هذه المرحلة على طعم النجاح والتفوق والإصرار على الوصول إلى الأهداف، لكن رغم تلك التحديات استطعت أن أحافظ على إيجابيتي، وكنت دائماً متقبلاً لإعاقتي متصالحاً مع نفسي، أحاول دوماً أن أكون أنا نقطة الانطلاقة في التغيير، فأنا لم أكن يوماً متذمراً من وضعي، بل أحاول دائماً أن أغير الوضع الذي لا يعجبني أو غير الملائم، لا أخوض في المشكلات بل أبحث عن الحلول.
وعن صفاته وهواياته، يقول: أنا كنت إلى مرحلة الثانوية قليل العلاقات، انطوائياً إلى حدٍّ ما، لم يكن ذلك بسبب كفّ البصر، لكن كان طبعاً من طباعي، إلى أن دخلت الجامعة حيث استطعت كسر الحواجز، وساعدني كثيراً التحاقي بمركز المكفوفين كمشرف في كسر الحواجز، حيث استطعت أن أضع نفسي على خريطة المكفوفين المتميزين في قطر، سواء في الدراسة أو الوظيفة أو حتى في الرياضة، حيث التحقت برياضات المكفوفين بفضل أخي الأكبر الذي استطاع أن يسحبني إلى المجال.

المسميات غير مهمة 
كثيرة هي المسميات التي تطلق على المكفوفين منها ذوي الهمم، أصحاب العصي البيضاء، ذوي الإعاقة البصرية وغيرها من الأسماء، التي لا يعتقد فيصل أنها تعني له ولا تغير شيئاً في وضعه، يقول فيصل: بالنسبة لي المسميات غير مهمة، وتؤدي إلى نتيجة واحدة، وليس هناك ما هو أبلغ من كتاب الله الذي جاء فيه مصطلح «الأعمى»، لكن هناك بعض من يغضب من هذا المسمى، ويعتبره مهيناً، لكن من الناحية القانونية وكمستشار قانوني أعتبر أن هذه المصطلحات ليست جامعة ولا مانعة، فعندما نقول ذوي الهمم أو ذوي القدرات الفائقة، فهذا مصطلح فضفاض غير دقيق، فليس كل معاق يتميز بقدرات فائقة، ومصطلح ذوي الاحتياجات الخاصة يجمع لكنه يخلط، فكبير السن من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومريض السكري ذو احتياج خاص، والمصاب إصابة مؤقتة أو بسيطة من ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن مصطلح ذوي الإعاقة لحد الآن هو المصطلح الأكثر دقة، فهو يجمع كل المعاقين تحت مظلة واحدة.

المجتمع قد يكون
معيقاً لذوي الإعاقة
يعتبر فيصل الكوهجي أنه كثيراً ما تكون المجتمعات معيقة لذوي الإعاقة، ويوضح: تقاس درجة الإعاقة في دول الغرب بمدى تفاعل المجتمع مع ذوي الإعاقة، ومدى تذليل العقبات بالنسبة لهم، وكلما قلّت هذه العقبات دلّ ذلك على وعي الناس وبالتالي المجتمع بمشكلات ذوي الإعاقة، ومن بين التحديات التي تواجه ذوي الإعاقة سوق العمل، فالوظائف الموجودة قد لا تناسب أبداً تخصص ذوي الإعاقات الذين لا يزالون محصورين في تخصصات محدودة جداً.

_
_
  • الفجر

    04:59 ص
...