الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
02:31 م بتوقيت الدوحة

الفاروقي.. وأسلمة المعرفة

غادة غزال

الجمعة 25 ديسمبر 2015
غادة غزال
وُلِد إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام 1921م، وبدأ دراسته الإسلامية على يد والده الذي كان قاضياً شرعيّاً. تابع دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس الدومينيكان الفرنسية. التحق بكلية الآداب والعلوم بالجامعة الأميركية ببيروت؛ حيث حصل على بكالوريوس الفلسفة عام 1941م.
عمل في ظل الانتداب البريطاني محافظاً لمنطقة الجليل، ومع اندلاع القتال في فلسطين عام 1948م شارك في بعض العمليات الجهادية، إلا أنه غادر إلى الولايات المتحدة مع تأسيس الدولة اليهودية. تابع إسماعيل الفاروقي تحصيله العلمي في الولايات المتحدة؛ حيث حصل على درجتي ماجستير في فلسفة الأديان من جامعة إنديانا عام 1949، ومن جامعة هارفارد عام 1951م، ومن ثَمّ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا عام 1952م عن رسالته «نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستمولوجية للقيم».
استشعر الفاروقي نقصاً في تكوينه المعرفي بسبب اقتصاره على الاطلاع والتعمق في الثقافة والفكر الغربي؛ لذلك قرر الإقبال على الدراسات الإسلامية، فتوجه إلى القاهرة وأمضى بها أربعة أعوام (1954/1958) تفرغ خلالها لدراسة العلوم الشرعية في الأزهر الشريف. وبعد أن أنهى تحصيله العلمي ارتحل الفاروقي مجدداً إلى الولايات المتحدة؛ حيث أصبح منذ أواخر الخمسينيات أستاذا لفلسفة الأديان في عدد من الجامعات الأميركية، منها جامعة شيكاغو وجامعة تمبل.
حرّر الفاروقي «الأطلس التاريخي لأديان العالم» وكتب الفصل الخاص بالإسلام وقدّم له بمدخل بيّن فيه جلال الرسالة الإسلامية وتفوقها على كل الأديان، واحتواءها جميع الفضائل التي جاءت بها الرسالات السماوية السابقة، واعتمادها على العقل والمنطق. كما ألف كتاب «الأخلاق المسيحية» الذي نقض فيه الأساس النظري والتاريخي لهذه الديانة من خلال مصادرها الأولى. وللفاروقي كتب أخرى في الأديان، منها «الإسلام والديانات الأخرى» و «ثلاثية الحوار اليهودي-المسيحي-الإسلامي»، كما اشترك في تأليف كتاب «الديانات الآسيوية الكبرى»، هذا إلى جانب كتبه الخاصة بالإسلام، ومنها كتاب «التوحيد ومقتضياته في الفكر والحياة».
وفي مجال التعريف بالظاهرة الصهيونية كتب الفاروقي ثلاثة كتب هي: «الملل المعاصرة في الدين اليهودي»، و«أصول الصهيونية في الدين اليهودي»، و«الإسلام ومشكلة إسرائيل».
ومن أعظم ما خلّفه الفاروقي وزوجته لمياء (أستاذة الفن والعمارة الإسلامية) كتاب «أطلس الحضارة الإسلامية»، ذلك السِّفر الذي «وُلد يتيم الأبوين» كما كتب مقدمُه الدكتور هشام الطالب؛ لأن الدكتور إسماعيل وزوجته استشهدا والكتاب لا يزال في المطبعة. جاء «أطلس الحضارة الإسلامية» بمنهج مبتكر مبيّناً «السياق» الذي ولدت فيه هذه الحضارة، و «الجوهر» التوحيدي الذي تمحورت حوله، و «الشكل» الذي عبرت به عن نفسها، و«التجليات» التي ظهرت بها.
ويُعدّ الفاروقي من أوائل من اشتغلوا على تمحيص الأسس الفلسفية التي تأسست عليها المعرفة الغربية ومقارنتها بالأسس الإسلامية؛ حيث وضع الأسس النظرية لإعادة صياغة العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة صياغة إسلامية. وأسس الفاروقي مع الدكتور عبدالحميد أبوسليمان المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن عام 1981 ليكون مركز تنظير وتخطيط للثقافة التركيبية التي يحتاجها المسلمون اليوم.
وذهب مؤسسو المعهد إلى أن الأزمة التي تُعاني منها الأمة هي أزمة فكرية، وأن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما هي إلا تجليات لهذه الأزمة الأم. وقد قدّم هؤلاء رؤية يمكن وصفها بالمتفردة؛ حيث وقفت موقف النقد من المعرفة الغربية للمرة الأولى، كما أنها تبنت استراتيجية عُرفت باسم أسلمة المعرفة.
كان الفاروقي عالماً موسوعيّاً يمتلك رؤية تجديدية منفتحة على العصر وغير منقطعة الصلة عن التراث، وقد استشهد برفقة زوجته لمياء ليلة 18 رمضان 1406هـ الموافق 27 مايو عام 1986م بالولايات المتحدة الأميركية طعناً بالسكاكين.

_
_
  • العصر

    3:07 م
...