السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
01:45 م بتوقيت الدوحة

النور واليقظة

أ.د.أحمد يوسف علي يوسف - أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعة قطر

الجمعة 25 ديسمبر 2015
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
من المفردات التي وردت في القرآن بصورة ملموسة مفردة الصبح ومشتقاتها وما يلزمها مثل النور وما يناقضها مثل الليل والظلام وما ينتج عن حركة الليل وحركة الصبح من الإدبار والإسفار. وقد وردت هذه المفردات وما يلزمها على هيئة دلالات مجازية ذات أبعاد كثيرة. ومن ذلك النور اللازم لقدوم الصبح. فالنور الحسي له وظيفة دالة هي نقيض الظلام الحسي. ولكن ماذا لو جاءت هذه المقابلة بينهما في سياق مختلف وهو البشارة بالفوز أو جني الثمار في الآخرة بعد انضباط في الخلق والسلوك في الحياة الدنيا؟
عندئذ يتحول النور إلى علامة من علامات الفوز مثلما هو علامة من علامات إدبار الليل وانبلاج النهار.
وموقف الحساب هذا موقف متصل بنا في كل حالاتنا منذ المهد حتى ما بعد البعث. لذلك تتكرر مشاهده حسب دورة الليل والنهار والشمس والقمر والخريف والشتاء والقوة والضعف والغفلة واليقظة.
فالنور يقظة بعد سبات والنهار اتصال اليقظة بنشاط الحواس ونشاط العقل والقلب. والظلمة سكون الحواس وخشوع القلب وتأمله. والظلمة علامة على الغفلة والطغيان. وفي ضوء هذا التعالق والتداخل بين الجانبين تتحدد المصائر والنهايات على نحو ما نرى في هاتين الآيتين، الأولى: «يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم»، والثانية: «نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم». ففي يوم الجزاء تكون البشرى هي النور وهذا النور قد يكون حسيا ملموسا على الوجه والبدن وقد يكون قلبيا له أماراته من الطمأنينة والسكينة والرضا، وهو جزاء المؤمنين والمؤمنات على السواء لا فرق بين ذكر وأنثى ولا غني وفقير ولا عظيم وحقير، لأن المدار هو مجموع ما قدم في مزرعة الحياة الدنيا.
ولعلك تلاحظ معي أن الآيتين تذكران النور مع اختلاف موقعه، في الأولى «يسعى نورهم»، وفي الثانية «نورهم يسعى»، فهل لاختلاف الموقع من معنى أو مغزى؟ نحن قد نجتهد في موقف ما ونبذل قصارى جهدنا انتظارا لثمرة ما قدمنا ونتطلع لأمارات قد تسبق النتائج. بينما إعلان النتائج بالفوز واليقين منه يجعلنا في موقف أفضل وحال أعظم من السعادة. هذا هو الفرق الدلالي بين موقعي النور «يسعى نورهم» و «نورهم يسعى»، الأول إعلان الفوز العظيم والتيقن منه، والثاني البشارة بالفوز. ففي الآية الأولى سياق إعلان الفوز «يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم..»، «بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك الفوز العظيم». وفي الثانية سياق مختلف هو دعوة المؤمنين للتوبة النصوح التي تكون مدخلا للفوز: «يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى...»، والدليل دعاء المؤمنين «ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير». هذا النور سواء أكان ثمرة الجزاء الطيب أو بشارة به هو نفسه النور الذي يلتمسه الآخرون في هذا اليوم: «انظرونا نقتبس من نوركم»، لأنهم قد أفلسوا ظاهرا وباطنا فلا الحواس ترى النور ولا القلب عندهم محل له. ولذلك كان الرد عليهم أقسى من طلبهم وأبعد منالا: «قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا»، فالرجوع إلى الوراء مستحيل لأن الموقف هو موقف الحساب وليس موقف العمل، فالرد يحمل سخرية وتوبيخا.

_
_
  • العصر

    3:07 م
...