السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
01:59 ص بتوقيت الدوحة

في الحاجة إلى حماية الإسلام والمحافظة على أبنائه

بدران مسعود بن لحسن

الجمعة 25 ديسمبر 2015
د.بدران مسعود بن لحسن
في كتابه القيّم (الصراع الفكري) كتب مالك بن نبي -يرحمه الله- منذ أكثر من نصف قرن يبين طرق قوى ومراكز الصراع العالمية في قتل الأفكار والمشاريع في العالم الإسلامي، وذكر بأن هذه القوى تمارس مجموعة من الخطوات المتنوعة تتمثل الأولى في محاولة تشويه الفكرة ذاتها، فإذا فشلت هذه الخطوة، فإنها تعمل على تخوين أصحاب الفكرة ذاتها لفكرتهم من خلال الوعد والوعيد أو من خلال تشويههم أمام الرأي العام المناصر لهم وللفكرة، فإذا فشلت هذه الخطوة، فإن الخطوة الثالثة هي تخوين الرأي العام ذاته للفكرة ولأصحاب الفكرة، وذلك من خلال إدخالهم في اهتمامات أخرى تبعدهم عن جوهر الفكرة الأساسية، أو من خلال إشعارهم بفقدان الجدوى منها أو عدم أهميتها. وهي خطوات وآليات متصلة ببعضها البعض، قد تكون متتالية الوقوع والتنفيذ، وقد تكون متزامنة، وذلك حسب حالة التلاحم بين الفكرة وأصحابها والجمهور المناصر لها.
ولعل هذا ينبه إلى موضوع المحافظة على الإسلام ومنجزات الدعوة الإسلامية وحماية إطارها المرجعي، لكي لا يقع له تحريف المبطلين، ولا انتحال الجاهلين، ولا تأويل الغالين. وهي مشكلة عويصة نواجهها في عصر العولمة هذا، الذي تكالبت فيه قوى البغي على أمتنا وديننا، وعلى جهود الصحوة وتريد أن تأتي على بنيانها من القواعد.
فإذا أردنا أن يستمر الإسلام أصيلا، وأن تزهر الدعوة، وتؤتي أكلها في هداية الناس وتحقيق النهضة، فإننا ينبغي أن نضع مشكلة حماية مضمون الإسلام في بؤرة أفكارنا وتخطيطنا ومشاريعنا.
وقد لفت الأنظار إلى هذا الموضوع كثير من أعلام الصحوة قديماً وحديثاً، ومن بينهم الأستاذ الشيخ الطيب برغوث أحد قادة ورواد الصحوة في المغرب العربي، وصاحب كتاب «حماية الدعوة والمحافظة على منجزاتها»، والذي نشر منذ عدة سنوات. حيث نبّه فيه إلى الاستفادة والتأمل في الدعوة النبوية في المرحلة المكية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ على الدعوة في محتواها وفي أفرادها، ذلك أن التجربة النبوية القدوة تمثل منهجاً ينبغي أن يتم التأسي به، بل يلزم العلماء والدعاء والمفكرين والعاملين للإسلام أن يرتقوا بفهمهم وأدائهم الرسالي إلى مستوى الاقتداء بالتجربة النبوية القدوة.
ولعل هذا يعطينا زاوية أخرى للنظر إلى التجربة النبوية القدوة، من خلال تأمل السيرة وجعلها محلاً للدرس والاستفادة في استخراج النواظم المنهجية والآليات التي وظفها النبي صلى الله عليه وسلم في حماية الدعوة ورجالها من التشويه والتحريف والاختزال، وحماية مضمونها ومرجعيتها وقيمها.
والعمل للإسلام في هذه المرحلة العصيبة التي قُلبت فيها المفاهيم، وظهر فيها الطيب شريراً والشرير طيباً، وفي هذه المرحلة التي يريد أن يُفهمنا فيها كثير من أعداء الإسلام أن الدعوة إلى التوحيد والتزام السنة تطرّف، وأن التزام الإسلام منهجا في الحياة رجعية وتخلف، وأن التحلل من الإسلام ومهاجمته ومحاربة أبنائه تحرر واعتدال.
في هذا الظرف ينبغي علينا أن ننظر بنظرة كلية للتجربة النبوية القدوة لنستفيد منها في الوصول إلى منهجية سليمة للعمل للإسلام، «تضمن عدم تسرب الخلل إلى مضمونه المرجعي، وحمايته من التشويه، والتحريف، والاختزال في كل مراحل الطريق، وضمان روح الاستمرارية، والمحافظة على المنجزات، واستثمارها بفاعلية».
وإذا نظرنا إلى السيرة النبوية فإنها تسجل لنا بعض التحديات التي واجهتها الدعوة في مضمونها وفي قياداتها وفي قاعدتها؛ ففي مستوى الدعوة وقيادتها كان مشركو قريش يحاولون النيل من مصداقية الدعوة ومصداقية النبي صلى الله عليه وسلم فاتهموه بأنه شاعر ومجنون وساحر، وغيرها من التهم، وحاولوا عزله عليه الصلاة والسلام وتركه يواجههم وحده، من خلال محاولة استمالة عمه أبي طالب وبني هاشم ترغيباً وترهيباً.
كما أنهم حاولوا إظهار الدعوة الإسلامية والنبي صلى الله عليه وسلم بمظهر العجز، وعدم امتلاك مشروع حقيقي من خلال محاولة تقديم أسئلة تعجيزية، وتصعيد وتائر الاضطهاد والإيذاء، ثم في محاولة خنق الدعوة وأهدافها.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم أبدى عناية كبيرة بالمحافظة على الدعوة ورجالها الأوائل من التبديد والهدر، واستطاع أن يصمد هو وأصحابه في وجه محاولات الاحتواء والضغوط والمعاناة.
كما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بحكمة ومرونة مع معطيات الواقع بما يضمن حماية الدعوة والسير قدماً نحو الأهداف المنشودة. وهي مرونة منضبطة وعت سلطان القبيلة وعاداتها، واستفادت منه. كما استفادت قيادة الدعوة من تناقضات القوى المضادة. واستمرت على ثبات سيرتها وانسجامها مع أطروحات الدعوة، وحرصت على ضمان استمراريتها.
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم على وعي بما تتعرض له قاعدة الدعوة من الذين أسلموا من مختلف الطبقات الاجتماعية ومختلف الأجناس والأعمار والأماكن. وكان على وعي بالصراع الذي يُراد له الدخول فيه وإدخال المسلمين فيه، وتحاشى الدخول في صراع غير متكافئ مع القوى المضادة للدعوة، واستطاع ضبط أعصاب أصحابه وتثبيتهم في وجه عنف المواجهة وطولها، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يسمح لأتباعه وأصحابه بالدخول في المواجهة، بل كان يوصيهم بالصبر والابتعاد قدر الإمكان عنها.
بل إن عملية التربية التي كان يتعهدهم بها كانت تركز على عدم الدخول في صراع غير متكافئ مع أي قوى مضادة، وإبعاد أتباعه عن جوّ الصراع، وتربيتهم على توطين أنفسهم على الانضباط النفسي، وضبط الأعصاب، ومواصلة الاحتكاك بالمجتمع، والدعوة والدفع بالتي هي أحسن.
هل يقال: إن ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان مؤيداً بالوحي؟ وهل يُقال: إن المكان غير المكان، والزمان غير الزمان؟
إذن ما فائدة النبوة؟ وما فائدة الاتباع؟ وما فائدة التأسي والاقتداء به صلى الله عليه وسلم إذا لم نتعلم منه دروساً في بعث نهضتنا من جديد، وفي استعادة المبادرة؟
وما الفائدة من قصر الاتّباع على الاتّباع في الأحكام الجزئية من وضوء ولباس وحلق ومشي، وترك المجالات الأخرى من التأسي والاقتداء به؟ أليس فيه طعن في سنته عليه الصلاة والسلام واتهام للإسلام بالقصور؟
لا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا الصلاة والزكاة والحج والصوم، هو نفسه محمد النبي صلى الله عليه وسلم الذي علّمنا كيف ندعو، وكيف نحل مشكلاتنا الاجتماعية والنفسية والفكرية والسياسية، وهو النبي نفسه صلى الله عليه وسلم الذي ينبغي أن نتعلم منه ونقتدي به في كيفية حماية العمل للإسلام في هذا الزمان، الذي يشبه إلى حد كبير الزمن المكي الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه رضوان الله عليهم يجاهدون في ضبط أنفسهم، وحماية دعوتهم، وتعريف الناس بالوحي، وبحياة الإيمان التي بها حياة الأمم والمجتمعات.
وما نختم به القول، هو الرجاء أن يتنبه العاملون للإسلام -من علماء ومفكرين ورجال دولة وسياسيين، إلى طرائق التشويه والتحريف والانتحال التي تُحاك ضد هذا الدين وهذه الأمة، كما ينبغي أن يستفيدوا من الطرائق التي ابتكرها جيل الإسلام الأول في مواجهتها، وما أبدعته خبرة الأمة التاريخية في حماية الإسلام والمسلمين، فننجو كما نجَوْا، وننجح كما نجحوا.

_
_
  • الفجر

    04:34 ص
...