الجمعة 11 رمضان / 23 أبريل 2021
 / 
11:08 ص بتوقيت الدوحة

تتمنى الحصول على الدكتوراة.. واستكمال رحلة علاجها.. هموم وشجون مريم الملا.. الفنانة والإنسانة

هبة فتحي

الخميس 25 فبراير 2021

أحلم باللحظة التي أتمكن فيها من اللعب مع أحفادي وأنا بعافيتي 

 دبّرت تكاليف دراستي في عمر 15 سنة من عمل «الماكياج» للسيدات

الفنان من ذوي الاحتياجات الخاصة يفتقر لكثير من المزايا
 

يبدو بعض البشر كالأشجار، يُعجَب عموم الناس بأوراقها التي أزهرت وروداً، لكن لا يعلمون شيئاً عن جذور معاناتها وأصولها ومعاركها كي تبقى صامدة في فصول الحياة المختلفة.
مرور العواصف والرياح دون اقتلاع جذور هذه الشجرة مؤشر على قوتها وصمودها، وأن أثرها سيبقى.. وهكذا رأيت مريم الملا التي حاربت من أجل إكمال تعليمها منذ عمر 15 سنة، فعملت واجتهدت فامتهنت رسم الحنّاء للسيدات لتوفر تكاليف دراستها، ثم أتمت أول حلم وانضمت للجامعة، وعملت معلمة في تدريس الفنون.
وفي صباح يوم عادي أشرقت شمسه على الدنيا وغابت عن مريم، فوجئت بظرف صحي أقعدها منذ 9 سنوات، لكنها لم تستسلم وبدأت في إعلان معركة ثانية؛ لتأخذ من قلم الرسم سيفاً ومن الألوان درعاً، فاستقرت على بساط الفن ليطير بها أينما تريد.   
المزيد في تفاصيل هذا الحوار مع مريم الفنانة والإنسانة:

* ماذا عن بدايتك مع الفن التشكيلي؟
- كنت أعشق الفن منذ الطفولة، والتحقت بالمرسم الحر وأنا في عمر 15 سنة، وكان الأستاذ جمال قطب -رحمه الله- هو أول شخص ساعدني ليتحول فني من هواية إلى احتراف، ولكن تركت المرسم بعد الزواج مباشرة.

* لماذا وأنت تعشقين الفن؟
- أُجبرت على تركه لظروف اجتماعية قاهرة، وهنا كانت بداية أول فصل في معاناتي للتخلي عن حلم أن أصبح فنانة تشكيلية، أو حتى إكمال تعليمي؛ لأني تزوجت وأنا طالبة في الصف الثالث الإعدادي، ولم يكن لديّ حينها القدرة على صدّ كل ما أتعرض له من هدم لأحلامي وطموحي.

استكمال التعليم بصعوبة
* وكيف تمكنت من إكمال الدراسة؟ 
- طلبت من زوجي السماح لي بإكمال التعليم، وبضغوط عليه من بعض أفراد العائلة سمح لي وأنهيت المرحلة الإعدادية والثانوية بتفوق، حتى كنت أعمل أثناء الدراسة لتوفير دخل مادي يغطي تكاليف التعليم.

* ماذا عملت؟
- كي أتمكن من إكمال الدراسة كان لا بد من توفير دخل مادي؛ لعدم وجود مصدر إنفاق، ومن ثم اجتهدت في عمر 15 سنة، وقمت  بتجهيز العرائس بعمل «ماكياج» لهن.  

* حدثينا عن التحاقك بالجامعة.
- تجربة التحاقي بالجامعة كانت نقلة نوعية في حياتي، بفضل إحدى صديقاتي التي قدمت أوراق الالتحاق الخاصة بي في كلية التربية الفنية جامعة قطر، وفاجأتني بموعد امتحان القبول، وبالفعل ذهبت معها وأديت الامتحان وظهرت النتيجة، وهنا كانت المفاجأة حيث حصلت على نسبة 100 % بامتحان القبول، ترتيبي كان الأول على جميع الفتيات، وسعادتي حينها لا توصف؛ لأني كنت خجولة وواجهت الكثير من التحديات العائلية والمادية ولم أتوقع قبولي بهذا المستوى. 

* وماذا عن بداية مسيرتك المهنية في التدريس؟
- بعد التخرج عملت مدرسة رسم في إحدى المدارس، وكنت نشيطة جداً فنجحت في تنظيم نادٍ فني للطلاب، وأنشطة طلابية تعزز من حبهم للفن، وسبب نشاطي وتميزي يعود في الأصل إلى نظرتي للفن باعتباره رسالة يمكن من خلالها صناعة جيل مبدع، وأن أفتح لهم آفاقاً؛ ليكتشف كل منهم موهبته في أي فرع من فروع الفنون المختلفة. 

رحلة 9 سنوات مع المرض

* وماذا عن ظروف مرضك؟
- مرضت منذ 9 سنوات بشكل مفاجئ، كان يوماً عادياً جداً، استيقظت للذهاب إلى العمل وفوجئت بعدم القدرة حتى على الوقوف، ذهبت إلى الأطباء في الدوحة وسافرت في رحلة علاج إلى ألمانيا، ولم يكتشفوا السبب الحقيقي وراء عجز قدمي عن المشي، ولكن الحمد لله على كل حال.  

* وكيف أصبحت حياتك بعد العودة من رحلة العلاج في ألمانيا وبداية فصل جديد من المعاناة بعد مرضك؟
- واجهت صعوبة كبيرة في التأقلم مع الحياة مرة أخرى، وأنا لا أستطيع المشي، فعشت حالة من الحزن والانطواء في المنزل لمدة 4 سنوات، كان متنفسي الوحيد في الحياة الرسم، فرسمت عن كل شيء أمامي: بيض النعام، الفخار، فناجين القهوة، الخشب، كل شيء، أنتجت عدداً كبيراً جداً من الأعمال الفنية، الرسم كان بساطي السحري الذي يطير بي وأنا بمكاني. 

* ما سبيل نجاح الفنان التشكيلي؟
- سبيل نجاح أي فنان هو الصدق فيما يقدمه، فمثلاً كل لوحاتي وصلت للناس لهذا السبب؛ لأنها منبثقة من حكايات حقيقية، وعن معاناة عايشتها أو رأيتها في القريبين مني.. ابنتي، حفيدتي، فمثلاً رسمت لوحة لطفلة تحتضن والدها وأسميتها «عزلان» اسم حفيدتي؛ لأنها عبّرت عن حالة رأيتها أمامي، فوصلت رسالتها لكل من رأى هذه اللوحة. 
 
* ما أكثر شيء أسعدك خلال الفترة الماضية؟
- عام 2019 تم إدراج اسمي في المناهج الدراسية الخاصة بالصف الثالث والرابع الابتدائي، وشرح مضمون لوحاتي للطلاب باعتباري فنانة قطرية في الفن التشكيلي التكعيبي، كما سيتم إدماج لوحة «ترنيمة الصمود» ضمن المنهج الدراسي لمادة الفنون للمرحلة الثانوية، والتي تناولت فيها صمود أهل قطر قيادة وشعباً في أزمة الحصار.

* هل تجاوبت معك الجهات المسؤولة عن رعاية الفنانين بالشكل المأمول؟
- للأسف لا... أنا فنانة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وقدمت أعمالاً فنية قيّمة في مجال الفن التشكيلي والتكعيبي، والمستوى المادي الخاص بي ضعيف جداً، ولا توجد رعاية حقيقية للفنان على كافة المستويات. 

معاناة.. وأمنيات

* ما أكثر المشكلات التي تسبب لك معاناة؟
- لا أملك سيارة، وأذهب لأي مكان بتاكسي «كروة»، أطمح أن يكون لديّ سيارة؛ لأن حالتي المادية لا تسمح بذلك، فمصدر دخلي الوحيد هو معاش التقاعد، ولا يغطي تكاليف معيشتي، بجانب بعض المشاركات في المعارض، والتي توقفت بسبب «كورونا».
أعيش في منزل صغير غرفتين فقط، ولوحاتي ملقاة في الغرف، وطلبت من الجهات المسؤولة تصريحاً لبناء مرسم، ولم أحصل عليه، ويجب أن تُصرف المساهمات المادية لذوي الاحتياجات الخاصة في الحساب البنكي الخاص بهم مباشرة، وبطريقة تحفظ كرامتهم دون السؤال. 

* ما أمنياتك؟
- أنا قطرية، ومن حقي أن يكون لي منزلي الخاص المُسجل باسمي، ويكون لي حرية التصرف في أركانه، مثل بناء مرسم أو غرفة لتخزين لوحاتي كي أحافظ عليها، ولا بد أن يكون للفنان معاش ثابت يحفظ حقه في العيش الكريم؛ لأن أعمالنا ليست تجارية، نحن أصحاب رسالة وفن. 

* هل من أمنيات أخرى؟  
- أطمح أن تساعدني الجهات المختصة لاستكمال الدراسة والحصول على الماجستير والدكتوراة، فأنا جاهدت في سبيل استكمال التعليم، وأنا بكامل عافيتي وما زلت حتى بعد مرضي متعطشة للتعليم.   
وأتمنى أن أستكمل رحلة علاجي في ألمانيا، خاصة أنها لم تستغرق سوى 3 أشهر فقط، حتى أستعيد القدرة على المشي مرة أخرى، فاللحظة التي أتمكن من اللعب فيها مع أحفادي وأنا بعافيتي حلمي كل ليلة في منامي.

_
_
  • الظهر

    11:32 ص
...