الجمعة 21 رجب / 05 مارس 2021
 / 
01:15 م بتوقيت الدوحة

هل خطفت «الرفاهية» الأب من واجباته الأسرية؟

هبة فتحي

الخميس 21 يناير 2021

خروج أبناء أصحاء تربوياً ونفسياً للمجتمع مرهون بشكل كبير بمدى حصولهم على جرعة الرعاية اللازمة من الأب والأم على حد سواء، فمن المؤكد أن تكاسل أي طرف عن الدور المنوط به وإلقاءه على عاتق الطرف الآخر سيؤثر سلباً على حياة الأبناء ومدى تفاعلهم مع المجتمع عند الكبر.
في هذا التحقيق، نسلط الضوء ونطرح تساؤلات عن أسباب ظهور تلك الفئة الجديدة من الآباء الذين تغافلوا عن أدوارهم الحقيقية تجاه أبنائهم، واستبدلوها بكل أنانية برفاهيتهم الشخصية والاكتفاء فقط بالإنفاق المادي، وهذا على الأغلب ما يحدث في المجتمعات التي يرتفع مستواها المعيشي، وفق ما أوضح مختصون في المجال الأسري على اعتبار وتقدير خاطئ منه أنه قام بواجبه الأبوي الذي اختصره في الماديات فقط، وذلك على عكس الماضي الذي كانت فيه الكماليات ومصادر الترفيه قليلة، فكان البيت والأسرة أهم ما يطغى على اهتمام الرجل سواء خارج المنزل من خلال اجتهاده في عمله، أو مشاركة أفراد أسرته أوقات رفاهيته.

ناصر الهاجري المستشار الأسري:  لا غنى عن دور الأب حتى لو قامت الأم بكامل واجباتها

أكد ناصر الهاجري -مستشار أُسري- أن دور الأب في المنزل عادة ما يكون طردياً مع دور الأم، بمعنى إذا طغى دور أي منهما على دور الطرف الآخر وواجباته يبدأ الخلل في الظهور، موضحاً أن هذا الزمن فيه كثير من الملهيات التي تسببت في انشغال الأب، وجعلته ينسى دوره الأساسي في رعاية أبنائه، وفي هذه الحالة تبدأ الأم في تبني الدورين معاً، ومن ثم تبدأ في التسلّط لتعوض دور الأب.
وشدد على قوامة الأب في تربية الأبناء، وأنه لا غنى عنه حتى لو قامت الأم بكامل واجباتها على أكمل وجه، مستشهداً على ذلك بموقف أعرابية حين وقفت أمام القاضي تشكو زوجها وقالت له: لو تركتهم معه -أي الأبناء للأب- ضاعوا، وإذا تركتهم معي جاعوا»، وهذا يؤكد أن دور الأب تكاملي مع الأم بحيث تؤدي الأم دورها في الرعاية والاهتمام والتربية، وهو يشرف ويرعى أبناءه رعاية فوقية؛ لأن الأم لن تنجح وحدها في هذا.
وحذّر الهاجري في نهاية حديثه من تنحي الأب عن دوره المنوط به وإلقائه على عاتق الأم، نظراً لانشغال الأب بأمور ترفيهية أخرى، مثل قضاء أوقات طويلة في المجالس بشكل يومي، ورحلات البر والسفر غير المبررة بحيث لم يعُد جزءاً من الترفيه عن النفس بقدر ما أصبح فرصة للهرب من المسؤوليات، منوهاً بأن هناك أفكاراً خاطئة طرأت على المجتمع حديثاً، وسيطرت على عقول عدد كبير من آباء الجيل الحالي حول مهام الأب، والتي أصبحت تتلخص فقط في الإنفاق المادي، وهذا عكس ما اعتدناه في الماضي.

محمد علم: ترفيه الوالد عن نفسه يجب ألّا يتعارض مع واجباته

قال محمد علم: إنه اعتاد تقسيم الأدوار بينه وبين زوجته في رعاية الأبناء، بحيث يغطي كل طرف احتياجات الأبناء بشكل عادل دون أن يجور حق أي طرف على الآخر، موضحاً أن رغبة الأب في الترفيه عن نفسه من خلال زيارة مجالس الأصدقاء يومياً، عادة ما تكون بعد نوم الأبناء، وبالتالي لا يشعر بالتقصير في حقهم، مؤكداً أن كل أب يمكن أن يمنح أبناءه حقوقهم كاملة دون التضحية برفاهيته كذلك، والمعيار اختيار التوقيت المناسب.
ولفت إلى أنه كان يحرص كذلك على طلب إجازة من عمله خلال فترة امتحانات أبنائه كنوع من مشاركة الأم تدريس الأبناء، بحيث لا يقع العبء كله عليها، ومن ثم تُظلم في صحتها وطاقتها، مؤكداً أن الحياة مشاركة وتنحي أي طرف عن واجباته أنانية واضحة. 
وشدد على أن قيام كل أب بواجباته في المراحل العمرية الأولى من حياة أبنائه سيساهم بشكل كبير في راحته لاحقاً؛ لأنه سيكون نجح في تأسيسهم بشكل تربوي وعاطفي صحيح، ومن ثم يتفادى مشكلاتهم، وبالتالي يستأنف حياته الخاصة ورفاهيته بالشكل الذي يرغب به؛ لأن حاجة الأبناء للأب دائمة، ولكن تختلف نسبتها من مرحلة عمرية لأخرى.

غادة محمد: أسوأ أنواع الآباء من يلقون جميع المهام على عاتق الأمهات

قالت غادة محمد -أم لخمسة أطفال-: إن انشغال الآباء عن الأبناء أصبح في أغلب البيوت، وهذا أمر غريب مقارنة بجيل والدها الذي كان فيه الأب يحتضن أبناءه ويقضي أوقات فراغه بجانبهم، موضحة أن أسباب انشغال الأب ربما تكون بسبب تركيزه الزائد في عمله لدرجة تطغى على حقوق أبنائه، وهناك فريق آخر من الآباء يفضّل الخروج وقضاء وقته بعد العودة من العمل مع الأصدقاء في المقاهي والمجالس ويكتفي بدور واحد هو الذهاب إلى العمل والعودة منه وتوفير النفقات المالية.
واعتبرت أن أسوأ نوع من الآباء -حسب تعبيرها-  الأب الذي يلقي جميع المهام والواجبات على عاتق الأم، وتصل أحياناً إلى النفقات المادية، معتبرة أن هذا التواكل على الأم أصبح سمة لعدد كبير من الآباء، وفي هذه الحالة يخرج الأبناء للمجتمع مفتقدين جانباً كبيراً من الرعاية الأبوية، مما يؤثر سلباً على حياتهم وعلاقتهم المستقبلية بأبنائهم، فيتوارثون منهم هذا الإهمال الأبوي، إلا من أراد تغيير ذلك والاستفادة من تجربته، بحيث يكون فاقد الشيء يعطيه وليس العكس.

هشام كمال: واجبات الأب تخضع لشقّ ديني.. وسيُحاسب في حال التقصير

قال هشام كمال -أب لأربعة أبناء-: إن الآباء الجدد من هذا الجيل أخذوا موضوع التربية على أنه أصبح بالفطرة مثله مثل الزواج، وهذا اعتقاد خاطئ؛ لأن غريزة الأبوة تحمي حياة الطفل، ولكن الدور الحقيقي يظهر في مجهوده التربوي الذي يكون نتيجة قراءة وتخطيط مسبق، إضافة إلى تحمله المسؤولية الكاملة تجاه حاجة الأبناء العاطفية والنفسية.
وأضاف: «قبل سنوات كان المستوى التعليمي والمادي ضعيفاً لعدد كبير من الآباء، ومنهم الوالد -رحمه الله- ولكن كبرت وأنا أرى والدي يسعى لتدبير أمورنا المعيشية، إضافة إلى حنانه وعطفه علينا على الرغم من عودته من العمل في حالة إرهاق شديد، ومن ثم سرت على دربه مع أبنائي؛ لأنني فهمت المعنى الحقيقي للأبوة».
ونوه بأن إلقاء اللوم على رفاهية الحياة والتطور التكنولوجي والنظر إليها على أنها السبب في فشل الأب أو الأم في التربية غير صحيح، معتبراً أن السبب الحقيقي هو عدم الوعي لدى الأب بدوره ومهامه وواجباته، واستبدل هذا الوعي بشيء من اللا مبالاة، وهذا يعود إلى طبيعة الشخصية نفسها، والدليل هو تسخير بعض الآباء ارتفاع مستواه المادي والرفاهية لخدمته في توفير أساليب تربوية أفضل.
وأكد أن واجبات الأب تجاه تربية الأبناء لها شق ديني لا بد من الحفاظ عليه؛ لأنه سيُحاسب وهذا وفق حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته»، مشيراً إلى أنه أصبح لديه أحفاد، ودائماً ما يراقب أبناءه ومستوى رعايتهم لأبنائهم، ولفت الانتباه في حالة التقصير.

حصة محمد: طليقي يرفض رؤية أولاده بهدف مضايقتي

قالت حصة محمد -أم لثلاثة أطفال-: إنها منفصلة عن زوجها قرابة 3 سنوات، ونتج عن ذلك تقصير كبير من طليقها في حق أبنائه كنوع من الانتقام منها؛ حتى يتسبب لها بالانزعاج، مشيرة إلى أنه يقوم بواجباته من ناحية الإنفاق المادي نظراً لأنه حكم قضائي، لكن غير ذلك لا يقدم أي دور أبوي لأبنائه، مما أثر على حالتهم النفسية.
وتابعت: أعتصر حزناً حين يكرر أبنائي سؤال: لماذا لا يريد أبي رؤيتنا؟ وعادة ما تكون ردودي إيجابية في حقه حتى لا يتأثروا.
واعتبرت أن الجانب المادي الذي يؤديه الآباء جزء ضئيل جداً مقارنة بما يجب أن يحصل عليه الأبناء من الرعاية والعطف والحنان؛ لأن ذلك هو العطاء الحقيقي -حسب تعبيرها- منوهة بضرورة النقاش بين المقبلين على الزواج حول المهام والواجبات التربوية تجاه أبنائهم؛ لاكتشاف كل طرف مدى مسؤولية وفهم الطرف الآخر؛ لتفادي أي مشكلات في حق الأطفال.

أولياء الأمور يتجاهلون المشاركة في استطلاعات تهم أبناءهم

يرى مختصون أن تجاهل الأب لمسؤولياته تجاه أبنائه، وتحديداً في الجانب التعليمي وإلغاء المسؤولية على الأم، يؤثر سلباً على التحصيل الدراسي للأبناء، بل يتعدى ذلك إلى تأثيرات سلوكية وأخلاقية.
ومؤخراً كشفت إحصائيات استجابة أولياء الأمور للمشاركة في الاستطلاع التربوي الشامل الذي أجرته وزارة التعليم والتعليم العالي العام الماضي عن نسبة مشاركة صادمة، حيث لم تصل حتى إلى 5 % من إجمالي العدد المستهدف. وهذه المشاركة المتدنية من أولياء الأمور في أمر يتعلق بمستقبل أبنائهم يرجعها البعض إلى غياب تحمّل الأب لمسؤولياته وواجباته، واتكاله على الأم وحدها في شؤون الأسرة والتربية.
وتقوم الوزارة سنوياً عبر إدارة تقييم المدارس في قطاع شؤون التقييم، بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة بالوزارة، بتنفيذ الاستطلاع التربوي الشامل لكافة المدارس الحكومية والخاصة؛ بهدف جمع بيانات ومعلومات عن أغلب جوانب العملية التعليمية، لتكوين صورة واضحة وشاملة عن التعليم في مدارس دولة قطر، والتأكد من تحقيق الأهداف الاستراتيجية للعملية التعليمية، مما يسهم في اتخاذ القرارات المناسبة التي من شأنها تحقيق التطور المستمر للتعليم بالدولة.
وكانت وزارة التعليم والتعليم العالي قد أطلقت في فبراير الماضي المرحلة الثانية من الاستطلاع التربوي الشامل لكافة المدارس الحكومية والخاصة بدولة قطر. واستهدفت آراء أولياء الأمور -إلى جانب الطلبة والمعلمين- في العديد من الجوانب التعليمية في مدرسة الطالب والتعليم بصفة عامة.
ورغم أن الوزارة دعت أولياء الأمور إلى المشاركة الإيجابية في هذا الاستطلاع؛ لما له من أهمية بالغة تنعكس على تطوير وتحسين المنظومة التعليمية، وقامت بتسهيل تنفيذه إلكترونياً، فإن الاستجابة من أولياء الأمور لم ترقَ إلى المأمول.

_
_
  • العصر

    3:07 م
...