الثلاثاء 6 جمادى الآخرة / 19 يناير 2021
 / 
07:56 ص بتوقيت الدوحة

قصة الكابتن آمال.. والملاكمة عفاف

حنان غربي

الخميس 12 نوفمبر 2020
عفاف وآمال.. جمعتهما القرابة والرياضة

 آمال: العائلة  رفضت مشواري الرياضي.. لكن والديَّ دعماني
حصلت على شارة «أول حكم دولي قطرية» من ماليزيا عام 2014 
عفاف: آمال ملهمتي وقدوتي.. والبعض يعتبر أن الملاكمة رياضة ذكورية فقط

هما ليستا شخصيتين عاديتين، فقد اقتحمتا مجالاً كان قبل عقود من المحرمات على الفتاة، وحتى الآن يعتبر غريباً على فئة كبيرة من النساء، ومرفوض تماماً من فئة أخرى، لكنهما تثقان في نفسيهما وتميّزهما، وتسيران بخُطا ثابتة لتحقيق طموحاتهما، فأنجزن الكثير، وما زل في جعبتهما أكثر.
آمال صالح أول حكم كرة سلة دولي للسيدات في قطر، وابنة خالتها -التي تعتبرها شقيقتها- عفاف القرني أول ملاكمة قطرية. لم يكن المشوار سهلاً، ولا الطريق معبداً أمامهما، لكن الإصرار كان أكبر من كل التحديات والعوائق.
ناضلت آمال في البداية مع فريقها والقائمين عليه؛ لأن تصبح لعبة كرة السلة للفتيات القطريات واقعاً، وأن يحقق الفريق استحقاقات كانت بمثابة جزاء على حسن الصنيع، وبعد تحقيق الحلم أصبح الأفق يتسع، خاصة أن الاهتمام بالرياضة النسوية في الدولة أخذ منعطفاً مشرفاً من خلال عدة نواحٍ، أهمها اليوم الرياضي للدولة، والذي جاء لتكريس دور الرياضة وأهميتها في حياة الفرد، وشهد المجتمع إقبالاً ملحوظاً من جانب الفتيات والنساء على ممارسة الرياضة والمواظبة عليها، وهو ما نلاحظه من خلال تواجد العديد من النساء بالمراكز الرياضية وغيرها.
«العرب» التقت «الكابتن آمال» و»الكابتن عفاف» وأجرت هذا الحوار العائلي معهما:

-  بداية مَن آمال صالح وكيف بدأت حكايتك مع كرة السلة؟
بدايتي مع كرة السلة كانت منذ طفولتي، حيث كُنت أمارس جميع الرياضات المتاحة في المدرسة، وأشارك في اليوم الأولمبي لعبت الكرة الطائرة، وكرة اليد، وكرة السلة، لم يكن توجهي في دوري وبطولات المدارس يخص كرة السلة فقط، بل كنت أشارك في جميع الرياضات، لكن في عام 2002 قامت الدكتور أنيسة الهتمي أول رئيس للجنة رياضة المرأة القطرية بتجميع الفتيات لاعبات كرة السلة في مركز الوجبة، ولم نكن ندرك ساعتها أن هذا التجمع سيكون اللبنة الأساسية لتكوين وتشكيل المنتخب الوطني، وكنا نذهب إلى المركز ونتدرب، ونعتقد أنه مجرد مخيم صيفي، وكان ذلك في عمر الرابعة عشرة تقريباً.
وكنت في البداية أميل إلى الكرة الطائرة، وفعلاً سجلت نفسي في فريقها، لكن إحدى مدرساتي وجهتني بالالتحاق بفريق كرة السلة.
وسجلت ولعبت، وتدربت، لكن من خلال التدريبات أدركت أن هذه التدريبات ليست لطالبات بل هي أعلى مستوى من ذلك وأكثر التزاماً، إلى أن جاء اليوم وأخبرتنا إدارة المركز الرياضي بأن هناك رغبة في تسجيلنا بالفريق الوطني. ساعتها أخبرت الوالد الذي لم أجد منه أي اعتراض أو رفض بل كان الداعم الأساسي لي في كل مشواري الرياضي.

-  وكيف كان تَقبُّل باقي الأسرة لانضمامك للمنتخب الأول لسيدات كرة السلة؟
لم يكن والدي الشخصية الديكتاتورية؛ فهو يعتمد على لغة الحوار، ويتريث كثيراً قبل اتخاذ قراراته التي غالباً ما تكون مدروسة، فبعدما عرضت عليه فكرة انضمامي إلى منتخب قطر، تشاور مع والدتي وطلب منها مرافقتي إلى النادي لتتعرف عن قرب على الأجواء والظروف التي نتدرب فيها.
وبعد أن زارت الوالدة النادي وتيقنت أن جميع الظروف مواتية لانخراطي فيه، وتأكدت من أن لعب لكرة السلة لن يؤثر على دراستي أو على مستقبلي، أخبرت الأب بذلك ونقلت له تلك الصورة ووافق على انضمام آمال إلى النادي.

بداية المشوار الاحترافي
بدأت رحلة آمال مع النادي والسفر، وأصبحت في كل مرة تتنقل معهم إحدى أمهات اللاعبات لكي تطمئن بقية الأمهات إلى أن بناتهن بخير، وأنهن بين أيادٍ أمينة.
قضى الفريق النسوي الفتي حوالي خمس سنوات من عام 2003 إلى عام 2008 كمراحل تدريبية فقط دون خوض أي منافسات، بسبب عدم وجود فريق منافس، لكن رغم ذلك فإن الفريق كان يسافر كثيراً لحضور البطولات التي تُقام في مصر وتونس وغيرهما، دون المشاركة فيها، فقط للاستفادة من الأجواء التنافسية، إلى أن أتى عام 2008 لتكون المشاركة الأولى في بطولة الخليج لكرة السلة بالشارقة.
هنا تروي آمال: كان من المحبط أحياناً لنا عدم قدرتنا على تحقيق نتائج، لكن القائمين على المنتخب كانوا يضعون فينا كل الثقة، ويقدمون الدعم الدائم للفريق، إلى أن حققنا أول ميدالية للفريق الوطني خلال العام نفسه بالكويت، لتنظم بعدها قطر أول بطولة للسيدات 2011، ومن هنا بدأت تظهر نتائج التدريبات والمجهودات التي كنا نبذلها.

إقناع العائلة 
 لم يكن لدى آمال أي مشكلة مع والديها، لكن الرفض والتحديات كانا من العائلة الكبيرة، لكنها لا تلومهم على رأيهم؛ إذ كانت تعي جيداً أن التغيير لا يكون بين لحظة وأخرى، وأن إقناع المجتمعات العربية والخليجية تحديداً المحافظة بفكرة انضمام الفتاة إلى فريق رياضي واللعب والسفر، وكل ما يتطلبه من التزامات، يحتاج الكثير من الصبر والثقة بالنفس والإصرار دون التصادم، طيلة السنوات الأولى من انضمامها إلى الفريق الوطني كانت التغطيات الإعلامية مقتضبة ومقلة جداً، إلى حين نظمت قطر البطولة الخليجية والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، ونقل مباشر على جميع قنوات الدولة، ساعتها استطاع المجتمع أن يتعرّف عن قرب على سيدات كرة السلة القطريات. وقتها أدرك المجتمع أن لعب الفتاة كرة السلة يمكن أن يجري واللاعبات بكامل حشمتهن وحجابهن، وأن الرياضة إضافة للمرأة ولا تعيبها ولا تعيب عائلتها.
تذكر آمال أول نقل لمباريات لها وزميلاتها على التلفزيون، وتقول إن تركيزها آنذاك لم يكن على اللعب بقدر ما كان على اللبس والاحتشام والالتزام بالظهور والصورة المشرفة للفتاة القطرية.

التوفيق بين العمل والمباريات
كان من الصعب جداً أن يتقبل المسؤولون في عمل آمال، التي كانت ممرضة بأحد المراكز الصحية، فكرة تنقلاتها والمعسكرات التدريبية، واعتبروها تقصيراً في العمل حيث لم تكن هناك أي بنود في الموارد البشرية تنص على إمكانية تفرغ البنات من مهامهن، إلى أن حصلن على حقوق الرجل نفسها من تفرغ وإجازات وغير ذلك.

ولكن كيف انتقلت آمال من دراسة التمريض إلى العلوم الرياضية؟
وتجيب: بتعبير أدق لم أنتقل بل اخترت مجالاً آخر زيادة على ذلك الذي كانت قد اخترته من قبل.
فبعد أن أنهيت دراسة التمريض والعمل في مجاله لمدة أربعة أعوام فتحت جامعة قطر تخصصاً جديداً وهو العلوم الرياضية، وقتها أخبرتُ الوالدة برغبتي بالالتحاق بالجامعة من جديد، وهو ما حدث فعلاً، فحصلت على بكالوريوس علوم رياضية. انضمامي إلى هذا التخصص كان بهدف استمرار دورة الحياة للرياضة النسوية في قطر، فأنا لا أريد أن يتوقف عطائي الرياضي بمجرد اعتزالي الملاعب.

-  وكيف كان الانتقال إلى تحكيم اللعبة؟ 
في عام 2010 بدأت التحكيم أنا وستة زميلات، لكن أنا الأولى التي حصلت على شارة التحكيم الدولي، وقبلت التحدي وسافرت إلى ماليزيا، حيث التحقت بدورة للحكام الدوليين، واجتزت الامتحان بنجاح والحمد لله. وفي 2018 قمت بالتحكيم في بطولة قطر الشاطئية .
وبعد أن حققت كل هذه الإنجازات بفضل الله استطعنا التغلّب على التحديات والحصول على ثقة الناس ودعمهم، وما زلت أذكر أنه أثناء تحكيمي لإحدى المباريات التي كانت تحضرها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وصفتني بـ «ابنتي» حين عرفت أنني أول محكّم دولي قطري.
 
-  ما أكثر الجوائز قرباً إلى قلبك؟
أكثر الميداليات قرباً إلى قلبي كانت الميدالية الأولى في الكويت عام 2008، والميدالية التي حصلنا عليها في الدوحة لها مكانة خاصة في قلبي فهي تشريف وتكليف.

منع الحجاب في البطولات 
وعن كيفية تلقيها خبر أو قرار منع الحجاب بالبطولات، تقول آمال: كان من أشد وأصعب التحديات التي مرت عليّ خلال مشواري المهني، فلم يكن لدي أي مجال للخيار، سوى فتح باب النضال، ولله الحمد توّجت الجهود القطرية بالنجاح.. بعد إعلان الاتحاد الدولي لكرة السلة موافقته بالسماح للاعبات بارتداء الحجاب خلال المباريات الدولية الرسمية. وكانت قطر أول من رفع لواء الحصول على قرار الاتحاد الدولي للعبة بالموافقة على ارتداء اللاعبات الحجاب.. عندما قرر منتخب السيدات لكرة السلة الانسحاب من منافسات السلة في دورة الألعاب الآسيوية بكوريا «انشون 2014»؛ من أجل وضع الاتحاد تحت الضغط، وعرض القضية أمام الرأي العام والتي سرعان ما انضم لها العديد من الدول.
قرار الاتحاد الدولي لكرة السلة منع ارتداء الحجاب للاعبات كرة السلة أحدث بالنسبة لنا أضراراً كثيرة، ومنعنا من المشاركة في البطولات الآسيوية والدولية وجمد مشاركاتنا عند حدود البطولات الخليجية، وعلى الرغم من حصولنا على لقبها والتأهل بموجبها للبطولة الآسيوية، فإننا لم نشارك بسبب بمنع ارتداء الحجاب في هذه البطولات.

-  لمَن تدين آمال بنجاحاتها؟
كثر هم من كان لهم الفضل في نجاحي وتحقيق كل الاستحقاقات؛ أولهم الدكتورة أنيسة، والمدربة ميساء، وعائلتي، ولجنة المرأة، واتحاد كرة السلة، وأكثر شخص لا أنسَ فضله الدكتور ماستر ناصر العيسري على جهوده في التواصل معنا في أزمة كورونا، وأيضاً طرح العديد من الدورات المتعددة للتطور في الفكر الرياضي، وكيف تتعامل مع هذه الجائحة مع العديد من الرياضيين حول العالم.
وعن طموحاتها، تقول آمال: أطمح إلى تمثيل دولتنا أحسن تمثيل في البطولات الدولية، وأن نثبت للعالم أن قطر فيها كفاءات قادرة على العطاء بعلم وكفاءة. كما أطمح إلى أن أقدم لمجتمعي الكثير في التوعية، وتغيير العقليات والتحسيس بأهمية الرياضة النسوية وفق معايير مجتمعنا الخليجي المحافظ.

عائلة رياضية 
ليست آمال الرياضية الوحيدة في العائلة، فهي تنتمي إلى عائلة يمارس أغلب أفرادها رياضات متنوعة، لكن ما يميّز هذه العائلة أنها قد تكون الأكثر حصولاً على لقب «أول»، فبعد أول حكم دولي قطرية، تأتي ابنة خالتها عفاف لتكون -كما سبق الإشارة- أول ملاكمة قطرية.
 عفاف أحبت الملاكمة وقلّدت البطل العالمي محمد علي كلاي وهي بعمر السبع سنوات. في طفولتها كانت تتفادى توبيخ والدها لها في حال التنمر على إخوتها الصغار، بأن تدافع عنهم بضرب الأطفال المتنمرين مهما كان عمرهم.
عفاف أحبّت رياضة الملاكمة رغم أنها كانت تدرك أن أمر احترافها يكاد يكون مستحيلاً.
تقول: كنت أتابع محمد علي كلاي وبعض المسلسلات التي كانت تهتم بالملاكمة، وكنتُ أقلّد الملاكمين وأعتقد أنني قوية.
واستطردت: لكن مع مرور الزمن وانشغالات الحياة، ضاع الحلم أو اختفى قليلاً، تزوجت وأخذتني الحياة الأسرية، وأبعدتني عن الرياضة، لكن بعد ذلك التقيت مع مدربي الكابتن ناصر العسيري، الذي أصبح قدوة لي بعد أن تبناني رياضياً، فقد ساعدني على التخلّص من الضغوطات التي كنت أعيشها. وقد خضت مع المنتخب الوطني معسكراً في سلطنة عمان في أبريل الماضي.

نادي البيت
وعن برنامج تدريباتها في ظل أزمة جائحة «كورونا»، تقول: «في البيت لدي نادٍ متكامل يحتوي على جميع معدات رياضة الملاكمة، وكما هي العادة أقوم بحصة تدريبية صباحية وعرض فيديوهات للعديد من الحركات، وأمارس رياضة الجري في محيط المنزل، والحجر المنزلي فرصة للتعلّم وتصحيح الأخطاء في رياضة الملاكمة».

ما دور آمال في حياة عفاف؟
 وجود آمال في حياتي نعمة من نعم الله؛ فهي تقدّم لي الدعم في كل مراحل حياتي وتكون لي السند والدليل، خصوصاً أنها سبقتني في النضال الرياضي أو على الصعيد الاجتماعي.
وتضيف: آمال بمثابة منارة لي، في الدفاع عن حقي في ممارسة رياضة الملاكمة والحصول على كامل الحقوق من الاتحادات والجهات المعنية.

رفض وسخرية 
عفاف القرني هي أول امرأة تمارس رياضة الملاكمة في قطر، وهو ما قد يبدو للكثير أنه ظاهرة جديدة، كون هذه الرياضة تتسم بالعنف، بالإضافة إلى العادات والتقاليد في دول الخليج بشكل عام والتي لا تتماشى مع هذه الرياضة. 
عفاف تحدت كل الصعاب وتريد تحقيق حلمها في تمثيل قطر في المحافل الدولية، وعانت الكثير من الصعوبات التي واجهتها في بداية المشوار، لكنها صبرت وتمسكت بالأمل؛ لأنها أحبت هذه الرياضة منذ الصغر واستطاعت التغلّب على كل الصعاب، لا سيما أن معظم الناس في البداية كانوا يسخرون من ممارسة البنت للملاكمة ويعتبرونها تتنافى مع الأنوثة.
وفي الوسط العائلي لم يكن الوضع هيناً، فقد رفضت العائلة الفكرة في البداية وواجهت ضغوطاً كبيرة من الأسرة والناس، ورغم كل هذه التحديات الاجتماعية واصلت اللعب لأن «الملاكمة» حلم حياتها ومتنفسها الوحيد. ومع إصرارها استطاعت جعل الجميع يتقبل الفكرة، وأصبحت تتلقى كل الدعم من كل الجهات لممارسة الملاكمة.
وتختتم عفاف: ما زلت أمارس الملاكمة وأتمرن في نادٍ خاص مع مدرب منحني الثقة لكي استمر ولن أستسلم للضغوطات، وحلمي هو أن أمثل قطر في البطولات القارية.

_
_
  • الظهر

    11:45 ص
...