الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
10:58 م بتوقيت الدوحة

صبح وصبح

أ.د.أحمد يوسف علي يوسف - أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعة قطر

الجمعة 11 ديسمبر 2015
أ.د.أحمد يوسف علي يوسف
إذا آمنا أن الجمال لا حدود له وأنه مستقل عن ذواتنا وأنه نسبي من حيث الفهم والإدراك والتذوق، فلا مفر أمامنا من أن نراه في شيء بسيط كما نراه في شيء عظيم، فقد نراه في ابتسامة، وقد نراه في دمعة طفل تسيل على خده، فكلاهما يحرك فينا مشاعر واحدة هي التفاؤل والسعادة أو الأسى والشفقة.

ويمكن أن نرى الجمال في الكون مكررا معادا، ولكن في غير سياق واحد، فالموج الهادئ أو الهادر على صفحة البحر هو نفسه الموج الذي نراه على صفحة البحر وقت هبوب العاصفة وغضب الرياح مع اختلاف السياق، وهذا السياق نفسه هو الإطار الذي نري فيه الأشياء ويعطينا القدرة على تفسيرها. وبتعدد السياقات، تتعدد الأشياء وتختلف تفسيراتها. فعبارة «أهلا بالجميلة» لا يمكن تحديد فهمها إلا في سياقها، فقد تقولها في استقبال فرس جميلة، وقد تقولها في استقبال محبوبة جميلة. والفرس غير المحبوبة وإن تمتعت كلاهما بالجمال.
ومنه قوله سبحانه: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} و {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} ففي سياق الوعد والوعيد يأتي الصبح، وفي سياق حقيقة الوحي يأتي صبح آخر، الأول إذا أسفر، والثاني إذا تنفس. فما الفرق بين الصبحين؟
السياق الأول سياق المنكرين أو المغالطين، والمغالطة: معرفة الحق والجهر بنكرانه، فكانت المقابلة بين {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} و {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} مقابلة بين حقيقتين كونيتين متعاقبتين، وهي أشبه بالمقابلة بين الظلام والنور أو الحق والباطل أو السواد والبياض. فالنور إذا أشرق يكشف الظلام، والصبح إذا أسفر يكشف الليل إذا أدبر. ومادة السفور مادة لغوية ثرية المعاني، فمنها سفور الوجه أي وضوحه وإشراقه، ومنها سفور الظلام بمعنى كنسه كما تكنس البيت ومنها سقوط ورق الشجر انتظارا لورق جديد ومنها الريح المسفرة التي تكنس كل شيء. وهذه المعاني مدارها الوضوح والكشف والنظافة.

والسياق الثاني هو أن الوحي حق وفيه ورد {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}، {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}، فعسعسة الليل: إقباله وإدباره، وتنفس الصبح: تردده في خيوط الليل كما يتردد النفس بطيئا في الصدر، وهذا التردد أشبه بالإقبال والإدبار. وهذه صورة قبول حقيقة الوحي عند الناس في كل الأزمان. والجمال في الليلين وفي الصبحين مع اختلاف السياقين كاختلاف الناس حول هذه الحقائق وهي البعث والنشور. ولذا ورد قوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا}، وأصل المغالطة كامن في إنكار الوحي الذي جاءت صورته على نحو عسعسة الليل وتنفس الصبح، وهي حقائق كونية نراها في كل الأزمان وفي كل الأماكن. ولعل استخدام مفردة «الصبح» في مقابل مفردة «الليل» له دلالة في هذا السياق، فمفردة «الصبح» وردت مرتين مع الليل، والصبح مصدر هو مبتدأ النهار، كما أن الوحي مصدر هو مبتدأ الدين ومنتهاه، ولا يكون نهار إلا بصبح إذا أسفر، ولن يسفر إلا إذا تنفس. وهو يمحو الليل بمعنى الظلام الرمزي الدال على المغالطة وسلوك الاعوجاج، ولن يكون حق بمعنى زوال الشك والباطل إلا باستقرار الوحي وترسخه في النفس، ولعل هذا ما نفهمه من قوله سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}.

ahmed@qu.edu.qa

_
_
  • العشاء

    7:06 م
...