الخميس 20 رجب / 04 مارس 2021
 / 
09:21 م بتوقيت الدوحة

أهمية المجتمع (الأمة) وإعادة الاعتبار للنظام الاجتماعي

بدران مسعود بن لحسن

الجمعة 11 ديسمبر 2015
د.بدران مسعود بن لحسن
برنامج مقارنة الأديان، كلية الدراسات الإسلامية - جامعة حمد بن خليفة
المتأمل في حال أمتنا وتشتتها وتضارب مصالحها وانشغال أبنائها بمصالحهم الفردية أو الفئوية يدرك فقدان روح الجامعة فيها، ويدرك غياب مفهوم الانتماء للأمة عمليا. وهذا يجعلنا نقول إنه لا بُد من إعادة الروح الجماعية للمسلمين؛ فهي شرط أساسي في عملية التجديد والنهضة والعزة الحضارية، لأن «يد الله مع الجماعة» كما جاء في الحديث.

وما تداعت علينا الأمم كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها إلا لفقداننا روح الجماعة، وعدم الانشغال بفروض الأمة والاكتفاء بالفروض الفردية. ولهذا فإن فقدان الروح الجماعية سبب جوهري من أسباب الهزائم والنكسات والأزمات التي غرقت فيها أمتنا الإسلامية.

إن روح الجماعة والنزوع الجماعي، يؤدي بلا شك إلى تنمية القدرة على الانسجام الاجتماعي، والانشغال بقضايا الجماعة والأمة. وفي هذا يرى مالك بن نبي أن النزوع الجماعي معناه تنمية القدرة على الانسجام الاجتماعي، واندماج الفرد في الجماعة وانخراطه في العمل المشترك لترقية المجتمع ودعم علاقاته الاجتماعية.

وهذا الذي سماه مالك بن نبي شبكة العلاقات الاجتماعية، التي ينبغي تنميتها وتمتينها والحرص على استمرارها وقوتها. ذلك أن حدوث أي خلل في هذه الشبكة يؤدي إلى الخلل في مستوى البناء الحضاري للأمة، فيصبح العمل المشترك صعبا أو مستحيلاً؛ إذ يدور النقاش حينئذ لا على إيجاد حلول للمشكلات بل للعثور على أدلة وبراهين.

ولهذا كما يقول مالك بن نبي فإن أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد بناء المسجد النبوي هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ نظرا لأهمية شبكة العلاقات الاجتماعية في عملية بناء الأمة وتحقيق قوتها واستقرارها، ومن ثم عطاؤها الحضاري. فكانت هذه المؤاخاة تأسيسا لشبكة العلاقات الاجتماعية، وتأسيسا للجماعة المسلمة التي هي أول لبنة في البناء الاجتماعي الإسلامي.

ولعل الفكر الإسلامي في تطوره تنبه لمثل هذا الأمر، ولو نظرنا إلى خط التفكير الشرعي المقاصدي لوجدنا تلك النقلة النوعية التي قدمها الشاطبي في (الموافقات) ببحثه في المقاصد العامة، ثم العلامة ابن عاشور بإدخاله مفهوم الأمة بدل الفرد -أي البُعد الجماعي- بدلاً من الانحصار في عد المكلف الفرد عند النظر في التشريع. فهو يقرر أن علم مقاصد الشريعة علم يتناول الموضوعات العامة ذات الصبغة الجماعية، وأن الأحكام التي يأمل أن يؤسس قواعدها هي أحكام تتناول المجتمع والأمة والجماعة الإسلامية.

فالأمة والجماعة و «شبكة العلاقات الاجتماعية» بتعبير مالك بن نبي هي الأساس، وإن التركيز على معيار «الأمة» بوصفها إطاراً عاماً لا على «النخبة»، من شأنه أن يحدث انقلابات نوعية في العمل الإصلاحي والتغييري في الأمة التي صودرت كثير من صلاحياتها في المشاركة بعد أن سحب المفهوم نفسه أو كاد من التداول والاستعمال.

وهذا ما أشار إليه عبدالحميد أبوسليمان في «أزمة العقل المسلم» من أنه بسبب من الفصام بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية أن اشتغل رجال الفكر الإسلامي بالشؤون الخاصة، وما يتعلق بشؤون الأفراد من عبادات ومعاملات، دون كثير التفات إلى شؤون السياسة والحكم ومؤسسات المجتمع وذاتيته الجماعية والعامة... وعلينا اليوم أن ننمي تلك المنهجية (الأصولية)، ونطورها ليمتد أثرها وعطاؤها على أساس من الحاجة المعاصرة إلى مختلف مجالات الحياة والمعرفة، وليس فقط الوقوف بها عند دائرة الأحكام في مجالات الحياة الفردية في الغالب الأعم، وبذلك يحتفظ الفكر الإسلامي بشموليته وأصالته واجتهاده وتكامل مصادره وعلومه.

فالفصام الذي وقع بين القيادتين في الأمة في تاريخها المبكر، أدى إلى انحصار الشأن العام وتضخم الشأن الخاص، ومراعاة لهذا الشأن الخاص نشأت علوم ومنهجيات تجتهد في الاستمداد من الوحي، لتحكم به الشأن الخاص والفردي، في حين بقي الشأن العام تابعا في أحسن أحواله للشأن الخاص.
وهذا ربما أدى إلى مخاطر معرفية ومنهجية وعملية كمال يقول الدكتور سعيد شبار، إذ إن «المنطق الفردي في التفكير طال حتى مناهج الاستمداد من نصوص الوحي نفسها، فلا يكاد ينظر فيها إلا بوصفها تشريعات للفرد وحالاته الخاصة وأحكاماً مباشرة في ذلك، مع إغفال كبير للتأسيس والتنظير الجماعي الاجتماعي ومقاصده والتعليل المرافق له وما إلى ذلك».

ولهذا يعد ما قام به ابن عاشور نقلة نوعية وإضافة مهمة واستعادة للكلي والعام في التفكير بدل الاقتصار على الجزئي والخاص، كما هو شأن معظم المنظومة الفقهية الموروثة. فابن عاشور يرى في كتابه (مقاصد الشريعة) أن مقصد الشريعة العام هو إصلاح الاعتقاد، كما أنها تقصد تنظيم أحوال الناس في حياتهم الاجتماعية، فيقول: «قد علمنا أن الشارع ما أراد من الإصلاح المنوه به مجرد صلاح العقيدة وصلاح العمل كما قد يتوهم، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الاجتماعية».

فالمجتمع أو الشأن الاجتماعي وشبكة العلاقات الاجتماعية أمر بالغ الأهمية، وهذا ما ينبغي التوجه إلى الاشتغال به من خلال الانشغال بالأمر العام، وفقه الشأن العام، والتأكيد على الأمة والمجتمع والاجتماع والعمران. ومن أهداف علم مقاصد الشريعة أن يتناول الهم العام والمسائل العامة ذات الصبغة الجماعية، وأن الأحكام التي يأمل أن يؤسس قواعدها هي أحكام تتناول المجتمع والأمة والجامعة الإسلامية. ذلك أن أحكام العبادات حري بها أن «تسمى بالديانة»، أما مقاصد الشريعة فإنها تتمحور حول الشأن الاجتماعي، فقد اصطلح على تسميتها باسم «نظام المجتمع الإسلامي». ولهذا خصص لها كتابا خاصا هو «أصول نظام المجتمع في الإسلام».

إن إبراز الجانب الاجتماعي للدين والاهتمام بالشأن العام، والنزوع لنوع الجماعة وإبراز النظام الاجتماعي الذي جاء الإسلام لتأسيسه تجعل من الإسلام دينا للتمدن والتحضر، وتخرجنا من الجدل العقيم حول صلاح الإسلام أو عدم صلاحه، وتخرجه من الجدل الكلامي والفلسفي النظري إلى محاولة صياغة أصول للفرد والمجتمع، تصلح لتأسيس العمران الإسلامي على أسس شرعية، بل وتوجه النظر إلى أن الدين ذاته من مقاصده عمران العالم وتأسيس التحضر، وهذا لم يُسبق إليه الإسلام أبدا. ونختم القول بقولنا إن التوجه نحو قضايا الأمة والشأن العام من شأنه أن يرأب الصدع في الأمة ويوحد جهودها. فإنه لا يستقيم لنا وجود ولا تتحقق لنا نهضة ما دامت الفردية غالبة على الجماعية، والفقه الخاص غالب على الفقه العام.

_
_
  • العشاء

    7:07 م
...