الأحد 11 جمادى الآخرة / 24 يناير 2021
 / 
12:54 م بتوقيت الدوحة

نزيف الكرامة

اسماء الدوسري

الجمعة 08 يناير 2016
لماذا تعودنا أن نعرض معاناة الناس عبر مقاطع إعلامية مؤثرة أو نلتقط لهم صورا مؤلمة تجرح مشاعرهم وقد تحرج المتبرع وتجعله يعيش في حالة من الإحباط والعجز خاصة عندما يعجز عن المساهمة في تخفيف تلك المعاناة.

يا ترى ماذا سيكون شعور من نصورهم في تلك الأحوال المؤلمة التي لا يتمنى أحد منا أن يمر فيها، وماذا ستزرع هذه الممارسات في نفوس تلك المجتمعات المكلومة، وأي جيل سيخرج من هذا المجتمع الذي استُهلك بهذه الصور والمقاطع المؤلمة التي انتشرت في الآفاق، يا ترى هل ستبقى في نفوس هذه المجتمعات معاني للعزة والكرامة بعد أن قتلناها فيهم كلما رغبنا في تفعيل حملة للتبرعات أو عزمنا على إقامة مشروع إغاثي، وهل يمكن أن يشعر المستطيعون بمسؤولياتهم تجاه إخوانهم دون أن يريقوا ماء وجههم، وهل نحن فعلا في الطريق الصحيح في دعم ومساعدة المحتاجين وجمع التبرعات لهم على حساب نشر صور لدموع الثكالى وآهات المجروحين.

فيا ترى متى سترق قلوبنا على المحتاج دون أن نذهب بكرامته، أم ما أصاب نفوسنا من تبلد وعدم اكتراث ما زال يتطلب المزيد من مشاهد التأوه والأنات.

أسهموا معي بآرائكم علنا نوقف نزيف الكرامة الإنسانية الذي نستخدمه لسد حاجاتهم الأساسية، هذا ما انتهت به رسالة محدثي المهتم بالعمل الخيري والإغاثي، فلم أحتج أن أقرأ رسالته مرة ثانية قبل أن أرد كعادتي ولا حتى تأملت ما فيها لأني كنت أناقش نفس الموضوع مع صديقتي المقربة من مدة بسيطة، وكنا ننتقد ونعارض بشدة استخدام صور المحتاجين خاصة الأطفال في استثارة مشاعر المتبرعين، لأننا نرى أن في ذلك هدرا كبيرا لكرامتهم وانتهاكا لخصوصيتهم، ولأن الأطفال غير مدركين أبعاد هذا التصرف وما سيلحقه بهم من ضرر نفسي في المستقبل، وبرأيي لا يصح أن نصور الطفل حتى بموافقة ولي أمره لأن الحاجة هي التي أجبرته ولو كان في وضع مختلف لما اضطر لذلك، وبالوقت نفسه أعي تماما أهمية دور الإعلام في العمل الخيري خاصة المزود بالصور ومقاطع الفيديو وما يقوم به من نقل صورة حية وواضحة عن آلام الناس المحتاجة، وهذا الأمر مهم جدا في تحريك مشاعر الناس وتحفيزهم على التبرع ولكن دعونا نتأمل صورة ذلك الطفل وهو يحمل صندوق المساعدات فرِحاً ماذا ستكون مشاعره بعد عشرة أو عشرين عاما وقد تخرج من الجامعة، وبماذا سيجيب أولاده إذا سألوه عن قصة تلك الصورة، وكيف سيكون رده على من أراد أن ينتقص من كرامته بهذه الصورة ويعيره بها؟.

المادة الإعلامية قابله للتخزين وإعادة النشر بكل سهولة وبأي وقت، وأهمية هذه المادة واستخدامها في نقل مأساة المجتمعات والتحفيز على العطاء لا تقل عن أهمية حفظ كرامة الإنسان وصيانتها؛ فأين نحن من حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم- ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تنفق يمينه)، في الحديث استحسان لإخفاء الصدقة؛ منعاً للرياء وحفاظا على ماء وجه المستفيد فما بالك بمن ينشر صورة المحتاج؟.

قال محدثي خاتما حديثه: نحن في صراع دائم بين الذي لا يتبرع حتى يرى الناس تبكي وتتألم أو يشاهد صور الجثث المتجمدة أو المعذبة من الحر والجوع، وبين المحافظة على كرامة المستفيد وعدم التسبب له بضرر نفسي مستقبلا.

فأحببت أن أشارككم هذا الحوار المهم لعلنا نقف مع أنفسنا قليلا ونتفكر في حالنا فهل نحتاج بعد الذي نسمعه ونراه في الأخبار من حقائق ومشاهد أن تنقل لنا المؤسسات الخيرية والإنسانية صورا تهدر كرامة المستفيد، وهل يمكننا أن نكتفي ببدائل كالصور والفيديوهات مع إخفاء ملامح أصحابها أو تصوير الأجساد والأيدي فقط لنوقف نزيف الكرامة.

دمتم سالمين.

_
_
  • العصر

    2:51 م
...