الجمعة 11 رمضان / 23 أبريل 2021
 / 
10:20 ص بتوقيت الدوحة

«العرب».. 49 عاماً من التحديات

سامح صادق

الجمعة 05 مارس 2021

تحلّ السبت 6 مارس الذكرى التاسعة والأربعين لتأسيس «العرب» أول صحيفة قطرية، على يد عميد الصحافة في الوطن عبد الله حسين النعمة، الذي أخذ على عاتقه وسعى بكل ما أوتي من جهد، لينير الطريق للآخرين كي يبدأوا نهضة ثقافية وإعلامية كانت نواة لأجيال تقود البلاد حالياً في طريق الإعلام المميز الذي يجمع بين الورقي والمتلفز والرقمي. 
وحرصاً على إعطاء كل ذي حق حقه، قامت «العرب» بجولة في عبق الماضي لاسترجاع حقبة تاريخية شهدت بداية النهضة الثقافية في الدولة على يد مجموعة مميزة من الصحفيين والمثقفين المبدعين على رأسهم الراحل عبد الله حسين النعمة، فعميد الصحافة القطرية لم يتكاسل أو يركن للراحة يوماً من الأيام، بل كان شعلة مضيئة من العمل المتواصل خلال مسيرة حياته العامرة بالإنجازات واستحق ما وصل إليه.


ولد عبد الله حسن النعمة يوم 23 ذو القعدة 1333هـ الموافق أول أكتوبر سنة 1915م، ليكون أول أبناء والده بعد أربع بنات، وتعلّم القراءة والكتابة وفق ما كان متاحاً من التعليم حينها، بعدها قرر أن يسافر إلى البحرين من أجل الالتحاق بمدارسها الأكثر حداثة وتطوراً، واضعاً نصب عينيه الالتحاق بمدرسة تعلمه اللغة الإنجليزية قبل كل شيء، باعتبارها المفتاح المفضي إلى ولوج عالم الأعمال والوظائف المجزية، والتحق النعمة بمدرسة تابعة لمستشفى الإرسالية الأميركية بالمنامة، ولم يطُل تواجد النعمة في البحرين كثيراً؛ إذ اضطر للعودة إلى الدوحة بعد فترة، بناء على استدعاء من والده، فالتحق بالمتيسر من المدارس في قطر طبقاً لما ورد في كتاب «مشوار حياتي»، وبعدها توجه إلى أحد أصدقاء والده في الإحساء بالمملكة العربية السعودية، وعمل معه في توزيع التمور، ولم يمكث طويلاً، ومنها توجه إلى الكويت بهدف تعلم قيادة السيارات والحصول على رخصة القيادة الرسمية، وحصل عليها في حدود عام 1927 أو 1928.. وبعدها عاد أدراجه إلى قطر، واستمر لسنوات قليلة ثم توجه إلى مدينة الظهران السعودية التي كانت قد تحولت في تلك السنوات إلى ورشة كبرى للأعمال؛ بسبب اكتشاف النفط وتصديره، ليلتحق النعمة بشركة الزيت العربية الأميركية «أرامكو»، فيعمل أولاً في وظيفة سائق ومترجم ومرافق لموظفي الشركة الأميركيين، قبل أن تسند إليه وظيفة الإشراف على سيارات نقل العاملين في الشركة. 


ولفت النعمة نظر رؤسائه الذين قرروا ضمه مع بعض زملائه السعوديين إلى برنامج لتحسين مهارات العمل ورفع كفاءة الأداء، وبموجب هذا البرنامج راح يقضي نصف نهاره فقط في العمل، بينما يقضي نصفه الآخر في برامج دراسية داخل مقر شركة أرامكو، ولما كان النعمة من المجتهدين في العمل والمتميّزين في الدراسة، فقد وقع عليه الاختيار للذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية في دورة دراسية لمدة سنتين، لدراسة تحليل الزيت وقياسه، بعدها انتقل للعمل بالكويت، حيث كان شغوفاً بالطباعة والمطابع المميكنة، ثم عاد إلى قطر ليُعَيَّن مسؤولاً بهيئة الجمارك القطرية سنة 1950م.
ولاحظ النعمة قلة المعلومات السياسية والاقتصادية والثقافية التي ترد للمجتمع القطري مقارنة بدول الجوار، وكان ما تعلمه في صولاته وجولاته وتنقله بين بلدان مختلفة دافعاً له للتفكير، وجعله يتساءل كيف يتم توزيع العديد من الصحف والمجلات الصادرة من القاهرة وبيروت وعواصم عربية أخرى في الأسواق القطرية، بينما لا توجد مطبوعة محلية واحدة تعبّر عن أبناء قطر وتوصل رسالتهم إلى الخارج؟ وبدأ النعمة يفكر في كيفية الولوج إلى عالم الصحافة والطباعة والنشر، ومعه عالم المكتبات التجارية، ولأنه كان يجيد الإنجليزية قراءة وكتابة، فقد كان كثير الاحتكاك بالهنود أثناء عمله في دائرة الجمارك القطرية، وأفصح لهم عن طموحاته في دخول عالم الطباعة والنشر، فأشاروا عليه بالتوجه إلى الهند لهذا الغرض.
وبالفعل سافر النعمة إلى الهند بعد أن استقال من وظيفته الحكومية، واستطاع وهو في الهند أن يتعلم الكثير عن مهنة الطباعة والنشر، بل واشترى منها مطبعة بدائية تعمل بقوة الأرجل، ونقلها بحراً إلى قطر، ومنعته سلطات الحماية البريطانية آنذاك من تحقيق حلمه في إنشاء صحيفة قطرية تكون صوتاً يواكب تطلعات أبناء وطنه نحو البناء والتنمية مع بداية ظهور النفط، واكتفى بطباعة الإعلانات التجارية والمنشورات الدعائية. 
وبموازاة ذلك قام في العام 1957 بافتتاح أول مكتبة في قطر لتوزيع الصحف والمجلات العربية والأجنبية تحت اسم «مكتبة العروبة»، وأنشأ بجانبها مكتبة أخرى باسم «مكتبة التلميذ» بهدف توفير مستلزمات الطلبة من القرطاسيات وكتب الأطفال ومجلاتهم. 
وهكذا لم يستطع عبد الله النعمة أن يحقق حلمه في تأسيس صحافة قطرية إلا قبيل استقلال البلاد بعام واحد تقريباً، حيث أصدر في الخامس من فبراير 1970 العدد الأول من «العروبة» أول مجلة أسبوعية قطرية، وكانت صغيرة الحجم، وتطبع على مطبعة أوفست صغيرة، ويعمل على تحريرها أربعة أشخاص فقط على رأسهم الصحافي اللبناني «عدنان حطيط»، أما محتواها فقد اشتمل على تغطية للأحداث المحلية، وتغطية أوسع للأحداث العربية باللونين الأبيض والأسود فقط.
ولأنها كانت الوحيدة على الساحة القطرية آنذاك، فقد حصلت «العروبة» على كل الإعلانات المتاحة، وقوبلت بالتشجيع والترحيب من المواطنين الذين طال انتظارهم لصحافة وطنية تكتب عن همومهم وتنقل تطلعاتهم وتشبع نهمهم للقراءة، كما لقيت المجلة الحفاوة والمؤازرة أيضاً من قبل المسؤولين بعد رؤيتهم صورهم وأخبارهم منشورة ومتداولة بين الجمهور.
ونتيجة الاستقبال الرائع والحفاوة البالغة التي قوبلت بها مجلة العروبة في مختلف الأوساط المحلية، فكر الأستاذ عبد الله النعمة في إصدار صحيفة يومية، خصوصاً مع وقوف سمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني -رحمه الله- إلى جانب الفكرة ودعمه لها، وعليه لم تشرق شمس يوم الاثنين السادس من مارس 1972 إلا وفي قطر صحيفة باسم «العرب» صادرة عن دار العروبة للصحافة والطباعة والنشر، وكانت تباع وقتها بخمسين درهماً للنسخة، وبهذا حقق النعمة أمنية غالية لطالما داعبت خياله. 
وصدرت جريدة العرب في البداية أسبوعياً -بشكل مؤقت- قبل أن تتحول إلى يومية وميّز العدد الأول من الصحيفة صدورها بالحجم النصفي أو ما يعرف بـ «التابلويد»، حيث لم تكن المطبعة وقتها تتيح الصدور بحجم الصحف العادية، واحتوت الجريدة في أول أعدادها على قرابة ثماني صفحات، وتصدرها عنوان بخط الرقعة وباللون الأحمر جاء فيه «عاشت قطر حرة.. والمجد لكم». 
وقال عميد الصحافة القطرية في كتاب «مسيرة حياتي»، الذي يحكي سيرته الذاتية عن ذلك: «كنت أتطلع منذ فجر شبابي إلى إنشاء دار صحفية تكون منبراً لقطر خليجياً وعربياً ودولياً، وكان يتطلب ذلك قدراً كبيراً من الإصرار والمثابرة والعمل الجاد الدؤوب، لتحقيق هذا المشروع». 

معضلة ندرة الصحفي المواطن 
وواجهت النعمة معضلة بعد تدشين حلمه الذي طالما راوده لسنوات، وهي قلة بل ندرة وجود الصحفي المواطن الذي يمثل عمود الخيمة لأي صحيفة محلية، ويكون صوتاً لأبناء بلده ينقل همومهم ويعرض مشاكلهم.
ورغم نجاح النعمة في تخطي عقبة العمالة الفنية اللازمة لإدارة المطبعة من خلال استقدام موظفين وفنيين هنود، فإن محاولته لتخطي عقبة ندرة المحررين القطريين لم تنجح، فراح يعتمد في إصدار الصحيفة على فريق من الصحفيين العرب المتباينين في أفكارهم وثقافاتهم وميولهم، من مصر وسوريا والسودان والأردن، إلا أن هؤلاء جعلوا الصحيفة محملة بخلفياتهم وصراعاتهم وهموم أوطانهم، فصارت لا تعكس الشخصية القطرية، واستوعب الأستاذ النعمة هذه المشكلة جيداً، وأدرك ضرورة وجود رئيس تحرير قطري مؤهل أكاديمياً لقيادة «العرب»، وآخر لقيادة العروبة، كي يتفرغ هو لرعاية مصالحه واستثماراته التجارية المتشعبة داخل قطر وخارجها.

خالد.. ودراسة الإعلام في مصر
وسرعان ما وجد مبتغاه في ولده خالد، الذي كان قد أتم دراسته الثانوية بنجاح، فقرر أن يرسله لدراسة الإعلام في موطن الصحافة الأول مصر، وبإنهاء خالد النعمة دراسته عاد إلى قطر ليتسلم مهام رئاسة تحرير الصحيفة القطرية الوحيدة آنذاك، وفي الوقت نفسه انضم شقيقه يوسف إلى مجلس إدارة مؤسسة العروبة للطباعة والنشر؛ ليصبح مسؤولاً عن تحرير مجلة العروبة.
وكان لكتابات الراحل عبد الله حسين النعمة وتعليقاته السياسية التي كان ينشرها في «العرب» و«العروبة» تأثير كبير نظراً للأسلوب الأدبي الذي طغى عليها؛ بسبب حبه للأدب والشعر الكلاسيكي منذ نعومة أظفاره.
واستطاعت تلك الكتابات أن تترك أثراً كبيراً على الصحافة والثقافة والوعي العام في قطر، فاستحق عن جدارة ما منح من أوسمة مثل: وسام الاستحقاق الجمهوري من مصر في عام 1979، ووسام الاستقلال الملكي من الأردن في عام 1990، ووسام القائد من المغرب، ووسام مجلس التعاون الخليجي في عام 1989، إضافة إلى أوسمة أخرى من إيران وباكستان وغيرهما.

_
_
  • الظهر

    11:32 ص
...