الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
01:27 م بتوقيت الدوحة

حاجة المسلمين إلى الفعالية

بدران مسعود بن لحسن

الجمعة 04 ديسمبر 2015
د.بدران مسعود بن لحسن
إن صناعة التاريخ بقدر ما تحتاج إلى أفكار سليمة، فإنها تحتاج إلى فعالية في إنجازها، والأمم اليوم -في زمن العولمة والمادية الطاغية على اهتمامات الناس- تقاس درجة تحضرها بقدر ما تملك من فعالية في أدائها، وتحقيق ذلك في واقع الناس.

والفعالية إذا أردنا أن نتفهم حقيقتها في واقعنا اليوم، خاصة في المستوى الاجتماعي، فإنها لا تكاد تحيد عن معنى القدرة على توليد نشاط وحركية اجتماعية في الواقع، وذلك من خلال تفهم معادلتنا الاجتماعية، وتحديد متغيراتها، والقيام بأداء منهجي متناسق لا يحتوي خليطا من الأفكار المتناقضة.
ولعل الفعالية الاجتماعية هي أهم ما يميز الحضارة المعاصرة عموماً، والحضارة الغربية بوجه خاص، كما يذكر ذلك مالك بن نبي عليه رحمة الله، بحيث استطاعت هذه الحضارة الغربية تربية العقل والفكر الغربيين على مبدأ الفعالية، في المستويين الفردي والاجتماعي، وصارت تصبغ كل أفعاله وإنجازاته في إطار التاريخ بطابع الفعالية الإنجازية. وتترجم هذه الفعالية اجتماعياً في الواقع في صورة ضمانات اجتماعية يقدمها المجتمع للفرد في أطوار حياته المختلفة.

ولهذا فإن ما يفصل المجتمعات في هذا العصر هو مدى فعاليتها، إذ يوجد تشابه واختلاف بين المجتمعات، والاختلاف اللافت للنظر يكمن فيما يطبع نشاط أي مجتمع من فعالية تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر. ولنا أن ننظر إلى ما تحققه شعوب مثل اليابان وكوريا والصين وألمانيا، وإلى شعوب أخرى في عالمنا العربي والإسلامي من إهدار للأفكار والأشخاص ولوقت والإمكان.

والفعالية في حقيقتها ليست شيئاً فطرياً مركباً في فطرة هذا المجتمع أو ذاك أو هذه الحضارة أو تلك، بحيث إننا نقف أمامها مستسلمين، معتذرين بأنه لا يوجد في فطرتنا وتركيبنا كروموزوم الفعالية أو جينات الفعالية، إذا أردنا أن نستعير مصطلحات علم الوراثة.
وإنما هي نتاج لتركيب ثقافي معين متحرك في إطار التاريخ، ومرتبط بالوضعية التي يقفها المجتمع من دورة الحضارة، كما يرى مالك بن نبي عليه رحمة الله. ولهذا فإنا نحتاج إلى فعل تربوي ثقافي يعيد تشكيل ثقافتنا لنحقق بها ذلك التركيب الثقافي المنتج الفعال.

ولعل العامل الحاسم في تحقيق الفعالية في أداء أي فرد أو مجتمع هو العامل النفسي، الذي يحفز على الأداء الفعّال من خلال توحيد الهم، وتوجيه الاهتمام، وحشد الطاقات، وقد كان القرآن الكريم هو المحفز والمنتج الأكبر للفعالية في المجتمع الإسلامي في زمن النبوة والصحابة والخلافة الراشدة والسلف الصالح. فقد منح القرآن الكريم لهم الدفعة الروحية، ورفع من طموحاتهم، فغيروا واقعهم وتاريخهم، وبنوا حضارة لم يسبق لها مثيل من قبل.

وإذا التفتنا اليوم إلى واقعنا، نجد أن القرآن هو القرآن، ولكن النفس غير النفس، فواقعنا يناقض تماماً ما نؤمن به. ونجد المسلم الذي يأمره القرآن بالقصد والانضباط "وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً" [لقمان: من الآية 18]، "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ" [لقمان: من الآية 19]، قد فقد فعاليته لأنه فقد توثبه الروحي.

ولعل الكثير من المسلمين، ومن غير المسلمين من عزا ولا يزال يعزو فشلنا وهواننا وسوء أدائنا إلى القرآن الكريم وإلى ديننا الحنيف، مما جعل الكثيرين يشككون في صحة الإسلام، وفي واقعيته وفي قابليته لأن يكون ديناً متحضراً، وأن يكون منبعاً للفعالية وبناء الحضارة.

ولكن الحقيقة -كما يذكر مالك بن نبي- أن الأمر لا يتعلق بصحة الإسلام وصلاحه، بل يتعلق الأمر بقانون اجتماعي وسنة من سنن التاريخ، وهي تسجيل الفكرة في النفوس، خاصة في هذا العصر الذي طغت عليه المادة والفكر الوضعي. ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي. فالأفكار صحيحة -في نظر الكثيرين- إذا هي ضمنت النجاح، وحققت المصالح العاجلة.

ولهذا ينبغي علينا تحقيق فعالية الإسلام في الواقع بالرغم من أن التأكيد على أهمية فعالية الإسلام في الواقع لا يستهين بصحة الإسلام في ذاته. غير أن النظر إلى الإسلام في حركة التاريخ، وفي علاقته بالمعطى الاجتماعي، فيه محاولة لإخراج المسلم من المناقشات الجوفاء، والجدل العقيم، والشعارات المفرغة من محتواها، التي تتحدث عن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، في حين أن الإسلام غائب عن قيادة الحياة.

فالنظر إلى الحقيقة الموضوعية، وما يسجله الإسلام في الإطار الاجتماعي من تغيير وصياغة للنفوس، وما يحدثه من أثر في التاريخ أمر مهم في علاج التسيب واللافعالية التي تكتنف حياتنا الفردية والجماعية. كما أن العمل على حل مشكلاتنا في واقعنا بما يأمر به الإسلام، وربط الحلول الإسلامية بالواقع، أمر مركزي وخطوة مهمة تخرجنا من الجدال الأجوف على أمر بيّن.

ذلك أن الإسلام لا يمكن مقارنته بأي دين آخر على مستوى الأصالة الذاتية من أي وجه من الأوجه، في قيمته أو مصدره أو شموليته. لكن الأمر يتعلق بالمسلم الذي انفصل واقعه الاجتماعي عن تأثير الإسلام وإن لم يفقد إيمانه بالله يوما من الأيام.

فنحن لا نحتاج إلى أن نبرهن على الصدق النظري للإسلام، وإنما من خلال صياغة الحياة به كما كان يفعل السلف، وإظهار فعاليتها في الواقع.. من خلال العودة إلى روح الإسلام ومنهجه.

وكما يؤكد مالك بن نبي عليه -رحمه الله- فإن التجربة الإسلامية القدوة التي صاغها النبي -صلى الله عليه وسلم- غيرت المعادلة الاجتماعية للعرب، وأخرجت إنسانا جديدا غيَّر مجرى التاريخ وشاد حضارة خلال نصف قرن، وأنتج أشخاصا أمثال عماربن ياسر وبلال بن رباح ورِبْعِي بن عامر رضي الله عنهم أجمعين..

من هنا يمكن أن نؤكد أن الفعالية من الناحية الاجتماعية، بمكن تحقيقها من خلال التركيب بين عناصر النهضة، والتي محورها الإنسان، في ضوء هداية منهج مكيف طبقا للنموذج الذي اختاره المجتمع. لأن الفعالية في جوهرها منهج فكري، وليست تكديسا لمنتجات حضارات أخرى. ذلك أن ذهنية "تكديس" الوسائل كما يقول مالك بن نبي أدت بنا إلى هدر كثير من الجهد والوقت حين اتجهنا إلى البحث عن الوسائل المادية، بينما الأمر يتعلق بنمط الثقافة، وما تحدده من مناهج، وما توفره من أفكار وجو فكري، يفعِّل الأداء الاجتماعي للفرد والمجموع.

_
_
  • العصر

    3:07 م
...