السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
12:57 ص بتوقيت الدوحة

الأسرة تحتاج للتراحم.. والمجتمع يحتاج إلى تكاتف

يوسف القرضاوي

الجمعة 01 يناير 2016
العلامة الدكتور يوسف القرضاوي
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
النداء بـ (يا أيها المزمل):
ومن ذلك: النداء إلى الرسول بأوصافه التي وُصِف بها مثل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} و{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}، فهو يناديه وهو في حالة معيَّنة من اللباس والتَّغطِّي، في أوائل ما جاءه الوحي، وقد جاء إلى أهله في بيته يقول لهم: دثِّروني، أو زمِّلوني. فكأنَّ الله تعالى يُلاطفه ويُؤانسه، حينما يناديه بهذا الوصف، وفي هذه الحالة، فإذا نُودِيَ المنادى بوصف هيئته من لِبْسة أو جِلْسة أو ضِجْعة، فإن المقصود في الغالب: التلطف به، والتحبُّب إليه، ولهيئته. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب، وقد وجده في المسجد، وقد عَلِق التراب بجنبه: "قم أبا تراب"!. وقوله لحذيفة بن اليمان يوم الخندق: "قم يا نومان!".
وفي القرآن خطاب للنبي الكريم بصيغ شتى منها: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة:67]، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب:1]. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم:1].. إلخ.
و(المزمِّل): اسم فاعل من تزمَّل يتزَّمَّل، فهو مُزَّمِّل، إذا تلفَّف بثوبه كالمَقْرور، أو مريد النوم، وهو مثل التدثُّر في مآل المعنى، وإن كان بينهما اختلاف في أصل الاشتقاق، والمزمِّل أصلها: المتزمِّل، أدغمت التاء في (الزاء) بعد قلبها زايًا لتقاربهما.

ماذا ينتظر الرسولَ
والمؤمنين معه؟
ثم إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، تنتظرهم رحلة طويلة وشاقة ومضنية من مواجهة المجتمع الوثني، الذي استمر مئاتٍ وربما آلافًا من السنين، مستمرئًا ضلال العقيدة، وانحراف السيرة، وفساد الفكر، وقلة الخير، وانعدام المحبَّة الحقيقية بين الناس، فهم أشبه بالغابة الكبيرة، التي يأكل فيها الكبيرُ الصغيرَ، ويلتهم الغنيُّ الفقير، ويجور القوي على الضعيف.
أفسدت الجاهلية العمياء عقولهم، وأماتت ضمائرهم، وجارت على أخلاقهم، فأصبح كلُّ امرئ منهم، كأنَّه يعيش وحده لا يفكر في غيره، وإذا فكر في غيره، فَلِكَي يكون له خادمًا أو على الأقل عونًا، لا يعرفون معنى الأخوة الحقَّة، ولا بر الوالدين بحقٍّ، ولا صلة الأرحام التي يحبُّها الله، ولا العطف على الأيتام والمساكين وابن السبيل وما ملكت الأيمان.
غلبت شهوات الدنيا على الأفراد، فأصبحوا يأكلون الحرام، ويستحِلُّون الحرام، يزنون أحيانًا مسافحين، وأحيانًا متَّخذي أخدان، أو متَّخذات أخدان، ويأكلون الربا، ويأكلون أموال اليتامى ظلمًا، ويتحكَّم الأقوياء في الضعفاء، كأن الغلبة إنما هي للأقوياء بأبنائهم، أو بأسلحتهم، أو بأموالهم، أو بعصبياتهم، وأحيانًا لا يبالون بعصبياتهم إذا غلبتهم أهواؤهم.
وأحيانا على بكر أخينا
إذا لم نجد إلا أخانا

يقول زهير بن أبي سُلمى في معلقته:
ومن لم يذُدْ عن حوضه بسلاحهِ
يهدَّمْ ومن لا يظلمِ الناسَ يُظلمِ

أي: لكي يبتعد الناس عن ظلمك والاعتداء عليك، لا بد أن تبدأ بظلمهم، فإن لم تظلمهم فقد عرضت نفسك للظلم لا محالة.
وقال عمرو بن كلثوم في معلقته الشهيرة:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها
ونبطش حين نبطش قادرينا
بُـــغـــاة ظــالـمين ومــــا ظُلِمْنا
ولـــــكـــــنَّا ســـــنـبــــدأ ظــالمــــــــينا
الفرد ضائع في هذا المجتمع عقليًّا ونفسيًّا وثقافيًّا، والأسرة تحتاج إلى التعاضد والتراحم، والمجتمع يحتاج إلى أن يتكاتف ويتساند، ويكون بعضه أولياء بعض، يعطف غنيُّه على فقيره، ويأخذ قويُّه بيد ضعيفه، يسأل أحدهم نفسه قبل أن يأخذ المال: من أين جاءني؟ وإذا اكتسبه: كيف أُنفقه؟
لم يكن المجتمع الجاهلي يعرف هذا الفقه، ولا هذه الثقافة، ولا هذه الروح، إنما هي الأنانية المحضة، التي جعلت أبناءه ذئابًا يفترس بعضُها بعضًا.
إنه في حاجة إلى الدعوة التي تبني هذا المجتمع بناء جديدًا، تغيِّره ابتداء من لَبِنَاته، ثم من ارتباطه بعضه ببعض، ثم بارتباط جماعاته، حتى تتكوَّن منهم أمة ربانيَّة إنسانيَّة أخلاقيَّة، ثم تقوم عليهم دولة تؤدِّي الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمت بين الناس حكمت بالعدل، تقيم الصلاة، وتؤْتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، كل ذلك بعد الإيمان بالله تعالى، الذي هو أساس البناء كله.

تأمُّل في الآيات الأولى
من سورة (المُزمِّل):
كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، التي أنزلها الله تعالى على رسله، وهو يتضمَّن الوحي الإلهي الذي يخاطب الله تعالى به رسوله عن طريق الروح الأمين جبريل، الذي يحمل الوحي من الله تعالى لرسله، وخصوصًا القرآن، الذي أنزله الله كله على خاتم رسله محمد، بطريق الوحي الجلي؛ نزول الملك به سورة سورة وآية آية.
وكان القرآن مصدر التعليم الربَّاني الأول، ومصدرَ التَّشريع والتوجيه، الآمر الناهي، الهادي إلى صراط الله المستقيم، المُوضِّح لأحكامه وأهدافه وهداه.
ولذلك نادى الله تعالى رسوله محمدًا في هذا الكتاب في هذه المرحلة الحسَّاسة بهذا النداء: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}. وبعد هذا النداء اللطيف المُؤْنس لعبده ورسوله، وحامل أمانته محمَّدٍ، يُصدِرُ الله تعالى هذا الأمر المباشر: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}.
وإذا تأمَّلنا في الآيات الأولى من سورة (المزمِّل)، وجدناه تعالى يأمر رسوله أن يترك التزمُّل، وهو: التَّغطِّي في الليل، وينهض إلى القيام لربِّه عزَّ وجل، فليس هناك مجال للنوم الطويل، ولا لراحة المُرَفَّهِين، كما قال الله تعالى في وصف المؤمنين: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة:16].

مقدار قيام الليل:
وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتثلًا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبًا عليه وحدَه، كما قال تعالى بعد ذلك: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]. وهاهنا بيَّن له مقدار ما يقوم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} أي: يا أيُّها المُتلفِّف المُتغطِّي بثيابه، قُم الليل للصلاة والعبادة إلاَّ قليلًا تنام فيه.
قال ابن عباس، والضحَّاك، والسُّدِّي: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} يعني: يا أيُّها النائم. وقال قتادة: المُزَّمِل في ثيابه. وقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمِّل بقطيفة .
وقولُه: {نِصْفَهُ}: بدلٌ من الليل. {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك.
والمعنى: قُم نصف الليل أو انقص من النصف قليلًا إلى الثلث، أو زِد على النصف إلى الثُلثين.

قراءة القرآن بترسُّل
وتمهُّل وتبيينٍ:
وقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} أي: واقرأ القرآن بترسُّل وتمهُّل وتبيينٍ، مع حضور القلب والتأمُّل في معاني الآيات. وفي الآية: استحباب ترتيل القرآن، وأنه أفضل من سرعة القراءة، فقراءة القرآن على تمهُّل عونٌ على فهم القرآن وتدبُّره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت حفصة: كان يقرأ السورة فيرتِّلُها، حتى تكون أطولَ من أطولَ منها( ).
وفي صحيح البخاري، عن أنس: أنه سُئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كانت مَدًّا( ).
وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْقَ، ورَتِّل كما كنتَ ترتِّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها"( ).
قال الحافظ ابن كثير: (وقد قدَّمْنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: "زَيِّنوا القرآن بأصواتكم"(). و"ليس منَّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن"( ). و"لقد أُوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود"( ). يعني: أبا موسى. فقال أبو موسى: لو كنتُ أعلمُ أنك كنتَ تسمع قراءتي لحبَّرْته لك تحبيرًا( ).
وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تَهذُّوه هذَّ الشِّعر، قِفُوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة ( ).
وفي البخاري عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأتُ المُفصَّل الليلةَ في ركعة. فقال: هذًّا كهذِّ الشِّعْر، لقد عرفتُ النظائرَ التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهنَّ- فذكر عشرين سورةً من المُفَصَّل- سورتين في ركعة ( ).

_
_
  • الفجر

    04:34 ص
...