الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
05:11 ص بتوقيت الدوحة

الحوار هو الحل!

أسامة عجاج

الخميس، 24 ديسمبر 2015
الحوار هو الحل!
الحوار هو الحل!
إنه الحوار ولا شيء غيره، الوصفة السحرية لحل كل المشكلات السياسية، الطريق القويم لاستقرار الدول والشعوب، ومسار أي تباين في وجهات النظر. هذا ما تقول به دروس التاريخ، فالحروب الأهلية المنتصر فيها مهزوم، والشعور بالانتصار محدود وبلا طعم، فهو على جزء من الشعب. والحرب اللبنانية أفضل نموذج حي على ذلك، استمرت 15 عاما من عام 1975 إلى 1990، شهدت كل أنواع المعارك والمواجهات بين اللبنانيين، وبعدها لم يكن أمامهم سوى الرضوخ لصوت العقل، والاستجابة لدعوة الحوار برعاية سعودية في مدينه الطائف، ولم يخرجوا من هناك إلا بعد أن توصلوا إلى اتفاق ما زال يحكم الحياة السياسية في لبنان، صحيح أنه لم يكن الأمثل أو الأفضل، ولكن يكفيه أن جعل الحرب ذكرى من الماضي، مستبعدة تماما من القاموس اللبناني، وتحول الصراع السياسي إلى أدوات أخرى، ليس من بينها رفع السلاح أو العودة إلى الاقتتال.
وفي زياراتي الأخيرة للسودان، تعاملت مع تجربة جديدة للحوار، نتمنى لها النجاح خاصة أنها تتم لأول مرة داخل السودان، دون أي رعاية خارجية عربية أو إقليمية، وبين كل ألوان الطيف السياسي السوداني، فباب الحوار مفتوح على مصراعيه، حتى لتلك الجماعات المسلحة التي كانت إلى وقت قريب تخوض حربا ضد الدولة، والمناقشات مفتوحة، والآمال عريضة للتوصل إلى توافق تام بين الفرقاء ينهي كل مشاكل السودان وأزماته، على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقبل الخوض في تفاصيل النموذج السوداني للحوار، دعونا نستعرض المحاولات السابقة في دول عربية، حاولت السير في طريق الحوار، وإلى أين وصلت؟
في اليمن، لم يحترم الفرقاء في اليمن نتائجه، فانفتحت الأبواب على عملية عاصفة الحزم، بعد أن اعتقد أحد أطرافه وهو أنصار الحوثي وجماعه علي عبدالله صالح أنهم قادرون بما يملكه الحوثي من ميليشيا عسكرية ومجموعات تدين بالولاء لصالح في الجيش والأمن على السيطرة على السلطة دون شركاء الحوار، فكانت الأزمة، رغم أن اليمن مثل نموذجا فريدا في التغيير بين تجارب ثورات الربيع العربي، بوجود دول الخليج طرفا في المعادلة، بحكم الجغرافيا والتاريخ، وطرحت مبادرة متكاملة للحل تضمنت -وهذا هو المهم- آليات للتنفيذ، ومنها التحضير لمؤتمر الحوار الوطني، وصياغة الدستور، والتحضير لانتخابات نيابية ورئاسية، وبالفعل استمر الحوار في الفترة من 18 مارس 2013 وحتى 25 يناير 2014، بحضور 550 عضوا من كل ألوان الطيف السياسي في اليمن، نصفهم من المحافظات الجنوبية، %30 منهم من النساء و%20 من الشباب، ناقشوا كافة القضايا الخلافية المتسببة في حالة عدم الاستقرار في اليمن، القضية الجنوبية، قضية صعدة، قضايا ذات بعد وطني مثل المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، بناء الدولة الدستورية والحكم الرشيد، الأمن والدفاع وبناء الجيش، الحقوق والحريات، التنمية الشاملة والمتكاملة والمستدامة. وعلى التوازي عملت لجنة على وضع دستور جديد للبلاد، ولكن التدخلات الإيرانية، والشعور بسطوة القوة عبر الميليشيات المسلحة، أجهض كل شيء، حتى تم اجتياح العاصمة صنعاء، والانقلاب على الشرعية وعلى كل الخطوات المتفق عليها، وانفتح الطريق إلى الحرب، ثم البحث من جديد عبر الحوار، هذه المرة حول قضايا جديدة، وبدور أكبر للأمم المتحدة لإيجاد مخرج للأزمة اليمنية.
وفي ليبيا غاب الحوار، فأصبحنا أمام حكومتين وبرلمانيين، ودولة في طريقها للتقسيم، وتنظيم إرهابي يعيث في الأرض فسادا، يستغل المساحة والفوارق بين طبرق وطرابلس، تعددت محاولات التوصل إلى حل، ولكن عبر حوارات تم اختيار أعضائها برؤية قاصرة لا تؤدي إلى نتيجة، ومن ذلك حوار القبائل في القاهرة، أو برعاية دول وأطراف قد يكون لها توجه في الأزمة، كما حدث في حوار تونس بين مسؤولي المحليات في ليبيا، ولكن الأمر اختلف عندما أشرفت الأمم المتحدة على الحوار، وفي مدينة الصخيرات المغربية، وهي التي لم تتورط بشكل أو بآخر في الأزمة الليبية، حتى تم مؤخرا توقيع الاتفاق بحضور عدد كبير من أعضاء مجلس النواب في طبرق، والمؤتمر الوطني في طرابلس، وشخصيات عامة وممثلي تيارات وأحزاب سياسية. والاتفاق يؤسس لانتقال سلمي للسلطة في ليبيا، واكتشف كل من نوري بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني الليبي العام وعقيلة صالح رئيس برلمان طبرق عندما التقيا أول مرة في مالطة أنهما يتحدثان نفس اللغة، ولهما نفس الحرص على وحدة ليبيا واستقلالها، ولم يبق سوى حل إشكالية الجنرال خليفة حفتر الطامح لأن يكون فوق الحكومة والبرلمان وكل سلطات الدولة، فقط لأنه يتحكم في جزء من القوات المسلحة الليبية.
أما في السودان فكل المؤشرات تؤكد أن الحوار يحقق إنجازات مهمة، خاصة بعد حوارات سابقة كانت نوعية، وتتعلق بقضايا محددة، مثل حوارات الدوحة حول دارفور، وحوار أديس أبابا حول جنوب كردفان والنيل الأزرق، ومن قبلها نيفاشا ونيروبي وطرابلس والقاهرة، هذه المرة تم التجهيز لحوار الخرطوم جيدا، من خلال تنفيذ تعهدات الرئيس السوداني عمر البشير في خطاب الوثبة، كما يطلق عليه السودانيون، عندما تحدث على أربعة مرتكزات لدعوة الحوار، وتحقيق السلام، والمجتمع السوداني الحر، والخروج بالمجتمع السوداني من ضعف الفقر إلى أفق القوة المستطاعة، والتأكيد على الهوية السودانية، وقبل البدء أعلن وقف إطلاق النار والسماح للأحزاب المعارضة بممارسة نشاطها السياسي بدون تدخل، وإتاحة حرية التعبير وتعزيزها، وإطلاق سراح المعتقلين، وتم تحديد سقف للحوار ثلاثة أشهر، مما شجع حوالي 100 حزب و30 حركة مسلحة على المشاركة، ومنهم المؤتمر الوطني الحزب الحاكم، وله صوت واحد، مثلما علية الأمر بالنسبة لبقية الأحزاب المشاركة، والتي تبحث في ست محاور، الوحدة والسلام، والاقتصاد والهوية والعلاقات الخارجية، والحريات ونظام الحكم وإنفاذ مخرجات الحوار، مع وجود مجموعة 7+7 من أحزاب مشاركة في الحكومة، وأخرى معارضة تمثل حكما مقبولا في أي خلاف، الحوار مقرر له أن ينتهي في 10 يناير القادم، وقد يمتد عن هذا الموعد إذا استدعت الأمور والمناقشات ووافق المشاركون، خاصة أن الأنباء القادمة من أروقة الحوار تشير إلى أنة تم الاتفاق حول %75 من القضايا المطروحة.
في تونس التزم الجميع بمبدأ الحوار وبمخرجاته ونتائجه، فكانت تونس هي الدولة الناجية من بين دول الربيع العربي من مخاطر المراحل الانتقالية، وتعيش الآن في استقرار، خلافات الفرقاء تخضع لآليات الديمقراطية. وأخذ الحوار منحى آخر فيما يخص الأزمة السورية، خاصة مع اتساع جبهة المعارضة سواء السياسية أو المسلحة، ووجود تباينات شديدة في مواقفها، مما أتاح الفرصة للنظام لاستثمار تلك الخلافات، وكان من المهم تماما أن يتم الاتفاق في مسار فينيا، على أن تتولى المملكة العربية السعودية مسؤولية محاولة الجمع بين كل فصائل المعارضة، وقد تكون مسألة توحيدها صعبا، ولكن المهم الاتفاق حول موقف موحد يمكن الخروج به من اجتماعات الرياض استعدادا للمرحلة القادمة، والتي ستبدأ خلال أيام من الحوار مع النظام السوري. أما مصر فإن اللجوء إلى الحوار يعد ضرورة حتمية فاستمرار جو التأزم والصراع، واعتبار أن ذلك جزءا من تكريس شرعية النظام سيلقي بظلال قاتمة على مستقبل الأوضاع في مصر.
ولكن من يفهم؟! ومن يستوعب؟!

usama.agag@yahoo.com •
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.