السبت 09 ربيع الثاني / 07 ديسمبر 2019
05:15 م بتوقيت الدوحة

فقه الأولويات..!

فقه الأولويات..!
فقه الأولويات..!
الرغبة العارمة في السعي إلى إشاعة أجواء من التفاؤل، حتى ولو كان كاذبا، ووجود إنجاز، حتى ولو كان هناك ألف ملاحظة وملاحظة عليه، وراء هذا التحرك المحموم باتجاه هوجة المشروعات القومية التي تشهدها مصر، والتي بدأت بالإعلان عن مشروع تفريعة قناة السويس، وانتهاء بتوقيع اتفاقية إقامة محطة نووية مع روسيا، مرورا بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومشروع استصلاح مليون ونصف المليون فدان، والتي تثير كثيرا من علامات الاستفهام والأسئلة، بل وتطرح قضية في غاية الأهمية، وهي التي تتعلق بسلم الأولويات في مصر، فلم يعد خافيا على أحد أن هناك مشكلة اقتصادية على كافة المستويات في مصر، وأسبابها أكثر من أن تعد وتحصى، ومن ذلك الظروف السياسية غير المستقرة التي عاشتها مصر طوال السنوات الماضية، والتي أدت إلى تراجع حجم الاستثمار الأجنبي لمصر بصورة كبيرة، وترافق ذلك أيضاً مع انخفاض أسعار النفط، ناهيك عن التدهور الكبير في مدخول السياحة المصرية، وهي أحد أهم الروافد للموازنة العامة في مصر، زاد من حدة الأزمة تراجع تحويلات المصريين في الخارج، مع تراجع حجم الدعم الخارجي، المعونات والمساعدات التي تلقتها القاهرة بعد أحداث 3 يوليو 2013، من بعض الدول الخليجية، والتي تعاني هي الأخرى من انخفاض أسعار النفط العالمية، وحالة عدم الثقة أصلا في أوجه صرف مليارات الدولارات، التي حصلت عليها مصر طوال العامين الماضيين، دون استشعار وجود تحسن ملموس على مستوى معيشة المصريين، أو الخدمات المقدمة إليهم، ما أسهم في تراجع معدلات النمو في مصر بصورة ملحوظة، ووصلت إلى %2 خلال عام 2013/2014، بعد أن كانت تجاوزت الـ%7 في عام 2007.
في ظل تلك الظروف تعيش مصر على وقع المشروعات، التي يطلق عليها قومية، ونحن هنا أمام مدرستين في التفكير، الأولى تدعم هذا التوجه، باعتباره استثمارا في المستقبل، خاصة أن بعضها مؤجل منذ سنوات طويلة، مثل بناء المحطات النووية، بعد احتدام مشاكل الطاقة في مصر بصورة كبيرة في السنوات الماضية، والمدرسة الثانية على ضوء العديد من التجارب الدولية تشير إلى أن فقه الأولويات يحتم الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي كانت الأساس التي قامت عليه تجارب تنموية، في دول ظروفها لا تختلف كثيرا عن مصر، كما أنها يمكن أن تساهم في توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل، ما يساهم في تخفيف حدة الفقر في مصر، والتي وصلت وفقا لتقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ظهر في بداية هذا العام أنها وصلت إلى %26.3 من إجمالي السكان في مصر، والغريب أن تلك المشروعات تتم من دون دراسات جدوى، أو حوار مجتمعي، يسمح بتداول كل وجهات النظر من الخبراء والمختصين، والاتفاق على قواسم مشتركة، تفيد صانع القرار وتدعمه. وبعدها تنتهي الزفة الإعلامية التي صاحبت المشروع، وتبقى آثاره المخيبة للآمال، بعد أن تكون قد كلفت خزينة الدولة المقلة أصلا، بالتزامات مليارات الجنيهات.
والأمثلة خلال الفترة الماضية أكثر من أن تعد أو تحصى، وفي المقدمة مشروع توسعة قناة السويس، ولن أتوقف كثيرا عند ما سمي ما حدث، هل هو قناة جديدة -كما يقول أنصار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي- أم أنها تفريعة، فهذا جدل من الماضي، وأصبحنا أمام مشروع تم تجميع 66 مليار جنيه مصري في صورة شهادات استثمار لتنفيذه، المشروع افتقد إلى أبسط القواعد لعمل بهذا الحجم وتلك التكلفة، وهي وجود دراسات جدوى اقتصادية، وهو ما لم يتم بالمرة، كما أنه لم يكن هناك ضرورة لا مصرية ولا دولية للعجلة في إقامته، وكان يمكن تأجيله سنوات، دون أن يغير من الأمر شيئا، وكانت الطامة الكبرى عندما قال القائمون على المشروع: إن التنفيذ سيستغرق عدة سنوات، فأمر السيسي أن يتم في عام، وهو في حفل إعطاء إشارة البدء، دون أي دراسة أو اعتراض، ولتنفيذ التعليمات الرئاسية، اضطرت إدارة القناة إلى تأجير كل الحفرات المتاحة في كل دول العالم وبأسعار مرتفعة، ما أسهم في زيادة التكلفة، واستنزاف العملة الصعبة، وكان ذلك أحد أسباب أزمة تراجع الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي، وترافق ذلك مع انخفاض في عائدات القناة، لتراجع حركة التجار العالمية ومطلوب من إدارة قناة السويس سنويا، مبلغ يوازي الـ%12 فوائد من الـ66 مليار جنيه قيمة شهادات الاستثمار الخاصة به، ومر المشروع في غياب تام للشفافية، دون تقديم كشف حساب للشعب عن التكلفة على الأقل.
نفس ما سبق ينطبق على مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي تم إخراجه كما لو كان أهم ثمار المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ في مارس الماضي، وهي أيضاً من المشاريع التي يطلق عليها قومية، وتمت من دون دراسة لدرجة أن الخلافات بدأت مباشرة مع الشركة الإماراتية التي تم تكليفها بالمشروع، ودخلت على الخط شركة صينية أخرى منذ حوالي شهرين، وتم توقيع مذكرة تفاهم، دون تحديد دورها، والحكومة حريصة على إقامتها دون اهتمام بأي وجهات نظر مخالفة، لدرجة أن إحدى الشركات المصرية انتهت كما قيل من %50 من توصيل خطي المياه والصرف الصحي، وقامت القوات المسلحة بتنفيذ الطرق التي تربط العاصمة بالمدن المجاورة، ويكفي أن نعرف أن تكاليف المرحلة الأولى ستصل إلى 45 مليار جنيه مصري، ونحن هنا أمام تعتيم كامل وغياب للشفافية حول المشروع، أسبابه وضروراته الحالية، وإمكانات تأجيله لعدة سنوات يسترد فيها الاقتصاد المصري عافيته.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، والرغبة جامحة للخروج -حتى ولو إعلاميا- بارتباط النظام الجديد بالمشروعات القومية الكبرى؛ حيث تستعد مصر للإعلان عن بدء العمل في استصلاح مليون ونصف فدان، بعد أن تواضع المسؤولون وكانوا تحدثوا من قبل عن أربعة ملايين، وهو التوقيت الأسوأ، فنحن أمام رؤية نحاول الترويج لها، وهي صحيحة، بأن مصر ستضار من بناء إثيوبيا لسد النهضة، وتعاني من دخولها مجال الفقر المائي، في الوقت نفسه الذي نتحدث فيه عن مشروع بمثل هذا الحجم، صحيح أنه قيل على لسان المسؤولين في وزارة الري، المشروع سيعتمد في ري تلك المساحات على المياه الجوفية، ليفاجئنا وزير الري الأسبق عندما يؤكد أنه تم استنزاف المخزون النوبي الجنوبي من المياه الجوفية لاستزراع عدة آلاف من الأفدنة، فما بالك بهذه المساحة الجديدة.
والسؤال الأهم هل قامت الحكومة الحالية بمناقشة مشروع توشكي، الذي افتتح أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك ودرست سلبياته وإيجابياته، وهل يمكن تطويره، أو إزالة العقبات أمامه، أم أن المطلوب هو الشو الإعلامي فقط.
وكان آخر المشاريع، الإعلان هو الاتفاق الذي تم توقيعه مع روسيا لإقامة وتشغيل أول محطة نووية في الضبعة بمفاعلاتها الأربعة رغم أن الزيارة الأخيرة للرئيس السيسي لموسكو منذ أشهر قليلة، كان مقررا التوقيع على الاتفاقية، ولكن تم التأجيل لوجود خلاف حول بنود العقد، والاتفاق في هذا التوقيت وتلك السرعة، فيه من الإشارات السياسية أكثر من كونه عمل تنموي، دون التفاف لتحفظات العديد من الخبراء والمختصين والتي تدور حول وجود إمكانات لاستخراج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، ومخاوف من عمليات الإدارة ودرجات الأمان، مع غياب تام للشفافية فيما يتعلق بالمشروع.

usama.agag@yahoo.com •
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.