الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
07:38 ص بتوقيت الدوحة

عرض لمرض...!!

أسامة عجاج

الخميس، 26 نوفمبر 2015
عرض لمرض...!!
عرض لمرض...!!
قالها لي الدكتور مصطفى إسماعيل، عندما تولى مسؤولوه ملف العلاقات المصرية السودانية على المستوى الشعبي، قبل أن يرأس وزارة الخارجية، ومنها إلى الاقتصاد، عندما سألته عن الخلاف حول مثلث حلايب المتنازع عليه بين القاهرة والخرطوم، والذي يهدأ ويخبو مرة، ويتصاعد مرات في فترات زمنية مختلفة. يومها استخدم هذا التعبير، أنه «عرض لمرض»، بمعنى آخر علينا عند تناول ملف العلاقات بين البلدين أن نبحث عن المخفي فيها، بعيدا عن الظواهر الطافية على السطح، وهو ما نحاوله في ضوء الأزمة الأخيرة، والمرشحة للتصاعد -على الأقل من الجانب السوداني- إذا لم يتم تدارك الأمور، وتتعامل الأجهزة المعنية في مصر بالجدية الكافية مع أبعادها، وتحاول محاصرتها وتصفيتها.

أما «العرض» فلم يعد خافيا على أحد، بعد أن ظهر إلى العلن، من خلال مذكرة احتجاج رسمي، خرجت من السفارة السودانية بالقاهرة إلى الخارجية المصرية، حول سوء معاملة عدد من أبناء الجالية السودانية، والقبض عليهم وتعذيب أحدهم في قسم شرطة عابدين، ترافق ذلك مع بيان صحافي من نائب السفير السوداني بالقاهرة، قال فيه «إن استمرار إجراءات القبض على السودانيين، سيتسبب في ضرر بالغ بالعلاقات بين الشعبين»، وأضاف بأن الوجود السوداني في مصر يمثل دعما للسياحة والاقتصاد المصري، وليس خصما من الحالة الأمنية، الأمر بدا كما لو كان مثل «كرة الثلج» بعد أن انتقل إلى الخرطوم، عندما اجتمع نائب الرئيس السوداني حسبو محمد عبدالرحمن، مع وزراء سودانيين، لمناقشة تقارير تتحدث عن انتهاكات يتعرض لها السودانيون في القاهرة، ومنها إلى وزارة الخارجية، عندما أشار علي الصادق المتحدث باسم الوزارة، إلى أن «بلاده لن تسمح باستغلال أو إهانة أي مواطن سوداني في الخارج»، مؤكداً أن سفارة بلاده بالقاهرة، تتابع ما يتردد عن تعرض سودانيين إلى سوء معاملة من السلطات المصرية، لافتا إلى أن «الحكومة ستأخذ الإجراءات اللازمة، التي تحفظ كرامة مواطنيها، إذا ثبتت الأخبار المتداولة»، ومن الخارجية والرئاسة إلى البرلمان ووسائل التواصل الاجتماعي، عندما تم استدعاء وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، للحديث عن الأزمة، بل إن أحد أعضاء البرلمان من المستقلين «نفخ في نار الأزمة» أكثر، عندما أشار إلى أن المصريين ينظرون إلى السودانيين نظرة استعلاء، مشيراً إلى أن العلاقات مع مصر غير متوازنة، حيث لا تطبق القاهرة اتفاق الحريات الأربعة، الموقعة عليه منذ 2004، وقال إنه ليس هناك دولة شقيقة، وعمق السودان في إفريقيا، وطالب بتصحيح العلاقة مع مصر، والدفع بقضية حلايب إلى محكمة العدل الدولية.

ولعل الملاحظ هو البطء الشديد، الذي تعاملت به الخارجية المصرية، والأجهزة المعنية مع الاحتجاج الرسمي من السفارة السودانية، والتصريح الوحيد الذي يمثل رد الفعل المصري، خرج على لسان المتحدث باسم الخارجية أحمد أبو زيد، ونفى أن تكون هناك سياسة ممنهجة تستهدف السودانيين في مصر، وأشار إلى أن الخارجية تدرس مذكرة السفارة حول احتجاز السودانيين. وبدأت تبريرات وحجج من قبيل تلك حوادث فردية، أو أن المصريين أيضاً يتعرضون لسوء معاملة في أقسام الشرطة، وهي أعذار «أقبح من الذنب نفسه» والمقارنة واضحة بين سرعة التحرك من سلطات كل من الأردن والكويت، عندما تعرض مواطنون مصريون، أحدهما للإهانة في الأردن، على يد شقيق أحد نواب البرلمان، واعتداء أدى للموت في حالة الكويت، حيث تدخل الملك عبدالله الثاني شخصيا في الموضوع، وتابع التحقيقات مع النائب، وتم تقديم اعتذار رسمي للمصري هناك، كما أن السلطات الكويتية ألقت القبض على الجاني، وتستعد لمحاكمته، واستقبلت وزيرة الهجرة المصرية التي تم إرسالها لمتابعة القضية.

كل ما سبق هو «العرض» أما «المرض» فينقلنا إلى حالة عدم الاستقرار، والمد والجزر في ملف العلاقات المصرية السودانية، على الأقل في السنوات الأخيرة بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث كان الرئيس عمر البشير، أول زعيم عربي وإفريقي زار مصر بعد الثورة، مهنئا المشير محمد حسين طنطاوي على نجاحها، وكان الرد المصري سريعا، فقد تم إرسال عصام شرف في أول زيارة خارجية له في نهاية مارس، بعد حوالي شهرين من نجاح الثورة إلى السودان، وعقد اجتماعا للجنة العليا المشتركة، حيث تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات، شملت الإعداد لمشروعات مشتركة في مجال الأمن الغذائي وتشجيع الاستثمارات، وعلى عكس كل الدعايات والحملات الإعلامية ضد فترة حكم الرئيس محمد مرسي، والتي ادعت كذبا بأنه وافق للسودان على فرض سيادته حول حلايب، فالوقائع تشير إلى أن السودان أبلغ في يناير 2013 -لاحظ التاريخ- اعتراضه على التواجد المصري في منطقة حلايب، وتأكيده على عدم التفريط في المثلث، باعتباره حقا أصيلا. وهي مؤشرات تؤكد بأن مستوى العلاقات مع السودان في تلك الفترة لم يكن على ما يرام، رغم وجود توافق فكري من خلال انتماءات النظاميين في البلدين إلى تيار الإسلام السياسي، ويكفي أن محمد مرسي لم يزر السودان، سوى بعد عشرة أشهر من حكمه.

وعلى عكس ذلك بدأت الأمور في التحسن بعد 3 يوليو، صحيح أنه جرت مظاهرات شعبية في الخرطوم ضد التطورات السياسية في مصر، ومنها ما حدث في رابعة العدوية، ولكن السودان الرسمي نأى بجانبه عن تلك المظاهرات، واعتبر في تصريحات رسمية، أن ما يحدث في مصر شأن داخلي، ولم يكتف السودان عند ذلك الحد، بل تبادل البشير والسيسي الزيارات، لم يتمكن الأول لظروف صحية من المشاركة في حفل تنصيب الثاني، وبعث بنائبه، فزاره السيسي في الخرطوم، في طريق عودته من القمة الإفريقية في غينيا الاستوائية، وكان السودان بعد الجزائر، في مقدمة ترتيب زيارات السيسي العربية. أما البشير فقد رد الزيارة في أكتوبر من العام الماضي، معربا عن شعوره بالراحة النفسية من تلك الزيارة، وتم الاتفاق على رفع مستوى اللجنة العليا المشتركة إلى الرئاسي بدلا من رئيسي وزراء البلدين. ويبقى السؤال: ماذا حدث بعد حالة الغزل العفيف بين البلدين؟

عنوان المرض في العلاقة المصرية السودانية اثنان وليس واحدا، سد النهضة وقضية حلايب، والأخيرة تمثل ترمومتر العلاقة بين القاهرة والخرطوم، كلما توترت تم تصعيد الملف، وبرز على السطح، وآخرها الشهر الماضي، عندما ذكر البشير أن حلايب أرض سودانية، وأنه لن يتنازل عنها أبدا، وكانت مفوضية الانتخابات السودانية قد وضعت حلايب ضمن الدوائر الخاصة بالانتخابات. بينما مصر التي تفرض سيادتها على المنطقة أشركت أهالي مثلث حلايب وشلاتين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت منذ شهر تقريبا، كما أعلنت عن تعيينات لمسؤولين محليين هناك، السودان خرج بالأزمة إلى بعد آخر، عندما كشف الرئيس البشير بنفسه، عن طلب سوداني من السعودية بالتوسط بين البلدين لإنهاء الأزمة، بعد أن نجحت المملكة في إغلاق ملف عدد من السودانيين، كان قد تم القبض عليهم بعد دخولهم الأراضي المصرية للتنقيب عن المعادن، وتم الإفراج عنهم.

أما الملف الثاني، وهو الخاص بسد النهضة الإثيوبي، فيمثل نفس الأهمية في مسار العلاقات بين البلدين، خاصة وأنهما معا يمثلان دولة المصب، كما أن الخرطوم انتقل موقفها من تبني الموقف الإثيوبي، بأن السد لن يمثل ضررا للبلدين، ودعم الموقف المصري أحيانا أخرى، إلى التوسط بين أديس أبابا والقاهرة، وهو ما لا يروق لمصر، التي تجد نفسها محاصرة ضمن منظومة دول حوض النيل، أو حتى بين الدول المعنية بسد النهضة، ولعل التغييرات في المواقف نابعة من تغيير موازين القوى في إفريقيا، ونجاح الخرطوم في ترميم علاقاته الخليجية مع السعودية والإمارات، بعد الموقف الحاسم من عاصفة الحزم، في ظل تردد القاهرة عن المشاركة الفعالة.

فهل تشهد الفترة القادمة، المقايضة بين «حلحة» قضية حلايب، مقابل دعم الخرطوم لمصر في مسألة سد النهضة، الإجابة تحملها الأيام القادمة.

usama.agag@yahoo.com •

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.