الإثنين 16 محرم / 16 سبتمبر 2019
06:08 م بتوقيت الدوحة

هل اقتربت مصر وإثيوبيا من مرحلة حرب المياه؟

هل اقتربت مصر وإثيوبيا من مرحلة حرب المياه؟
هل اقتربت مصر وإثيوبيا من مرحلة حرب المياه؟
كتبت كثيراً في هذا المكان عن الصراع حول مياه النيل وبصفة خاصة بين مصر وإثيوبيا، وهو صراع ستكون له تداعيات خطيرة على دول المنطقة ما لم يتم حسمه بطريقة توافقية وبأسرع ما يمكن؛ ذلك لأن الفشل في حله سلماً سيضع المنطقة على عتبة حرب المياه، وما زالت المجهودات التي تُبذل للوصول إلى ذلك الحل التوافقي قاصرة على إحداث اختراق حقيقي، وعنصر الزمن ليس في صالح الحل السلمي، وفرض الأمر الواقع من جانب طرف واحد هو الذي سيفجر الأوضاع.

لقد فشل الاجتماع الأخير للجنة الفنية المشتركة في حسم الخلاف حول بيت الخبرة الأجنبي الذي سيحدد الآثار الجانبية للسد، وتقرر مواصلة البحث في لقاء آخر يُعقد في الخرطوم، بينما العمل في بناء السد يتواصل وبسرعة حسب الجدول الزمني الذي حددته إثيوبيا، والمتوقع أن ينتهي العمل قبل إنجاز هذه الدراسة الفائقة الأهمية؛ لأن من شأنها أن تحدد بصفة قاطعة الآثار المتوقعة بالنسبة لكل من مصر والسودان، ومصر على قناعة أن الدراسة ستثبت أن السد بحجمه الحالي سيؤثر سلبا على حقوقها المكتسبة في مياه النيل وكمية المياه المنسابة نحوها عبر هذا النهر الذي هو مرتكز حياتها الأساسي، وليس عبثا إطلاق صفة (هبة النيل) على مصر التي ليس لديها مصدر مياه غيره، ومع النمو السكاني المتصاعد ما عادت حصتها الحالية تكفي احتياجاتها فكيف يكون الحال إذا تقلصت تلك الحصة بسبب ملء بحيرة سد النهضة عبر الأعوام الستة القادمة؟

هذا هو السؤال الذي يثير قلق مصر ويسبب تحديا لحكومتها ويخلق رأيا عاما ضاغطا على الحكومة وصل درجة المطالبة بإقالة وزير الري بحجة أنه تهاون في حماية حقوق مصر في مياه النيل، ولكن القوى الإقليمية تحمد لمصر أنها لجأت إلى التفاوض والتفاهم مع دول حوض النيل الشرقي -مصر وإثيوبيا والسودان- بدلا من أسلوب المواجهة الذي درجت عليه حكومات مصرية سابقة واعترفت عمليا بحق إثيوبيا في الاستفادة من موارد نهر ينبع في أراضيها، لكنها ما زالت تصر على حماية حقوقها المائية المكتسبة؛ لأن أي نقص كبير فيها من شأنه أن يهدد أمنها المائي كما يهدد أمنها القومي؛ ولذلك حرصها على أن يثبت بالدليل العملي أن ذلك السد لن ينتهك هذه الحقوق، وسعت عبر المسار الدبلوماسي أن يتم التعاون وفق رؤية مشتركة يعبر عنها (إعلان مبادئ) يعتمده رؤساء الدول الثلاث.

لكن رغم ذلك لم تحسم القضايا الأساسية، ولم تتخذ الإجراءات التي من شأنها أن تطمئن مصر أن السد بحجمه الحالي لن يؤثر سلبا على ما يصلها من مياه، خاصة أن السد ستقوم من خلفه بحيرة تحتجز أربعة وسبعين مليار متر مكعب من المياه، وإثيوبيا تعتزم أن تملأ البحيرة خلال ست سنوات، وهذا يعني أن تحتجز ربع حصيلة المياه الواصلة لمصر والسودان كل عام وعلى مدى ستة أعوام، وهذا أمر من شأنه أن يلحق ضررا عظيما بالأمن المائي المصري، وهذه قضية لم يتم بحثها بالكامل حتى الآن، والبحث المتوقع سيعتمد كليا على إنجاز الدراسة التي عهدت بها الدول الثلاث إلى بيت خبرة فرنسي وآخر هولندي، ولكن البيتين اختلفا وصعب التوفيق بينهما، وتأخرت الدراسة شهورا، بينما السد من المتوقع أن يبدأ المرحلة الأولى في تخزين مياهه عام 2017، بينما الدراسة يحتاج إعدادها لتسعة أشهر، ويحتاج الأطراف إلى النظر فيها إلى ثلاثة أشهر بمعنى أنها إذا بدأت اليوم فلن يكتمل التعامل معها إلا في العام 2017.

مصر أوضحت بصورة كاملة ما يثير قلقها من هذا المشروع وهدفها من المفاوضات الحالية فهي تريد:-
- تأكيدا بأن حقها المكتسب في مياه النيل لن ينقص.

- وأن يقوم بالدراسة الفنية العلمية أكثر من بيت خبرة واحد ضمانا لجودة الدراسة.

- أن يتباطأ العمل في بناء السد إلى أن تكتمل الدراسة تجنبا لفرض الأمر الواقع.

على أن إثيوبيا ترى أن يتولى الدراسة بيت الخبرة الفرنسي إذا تعذر إقناع البيتين بالتعاون، وهو ما ترفضه مصر وإثيوبيا ترفض أن تعدل في الجدول الزمني لبناء السد باعتباره التزاما تعاقديا مع الأطراف المنفذة، كما أن ملء البحيرة خلف السد سيلحق ضررا بحق مصر المكتسب على الأقل خلال سنوات ملء البحيرة، وربما كان الحل هنا يكمن في الاتفاق على ملء البحيرة في زمن أطول (خمسة عشر عاما مثلا)، ما يقلل الضرر السنوي على مصر، ولكن المفاوضات لم تصل هذه المرحلة بعد، ولا ينتظر أن تتطرق إليها إلا بعد صدور دراسة الخبراء واستلام تقريرهم.

لهذا كله نعتقد أن موضوع الخلاف بين الطرفين مرشح لأن يعود إلى مائدة رئيسي الحكومتين المصرية والإثيوبية، فمطالبة مصر بوقف العمل في بناء السد مؤقتا قرار لا بد أن يصدر على مستوى القمة، ولن تكون موافقة إثيوبيا على مثل هذا الاقتراح متوقعة، وسيجد اجتماع الخرطوم الأسبوع المقبل صعوبة في الاتفاق على الخبراء الذين يقومون بالدراسة، وحتى لو تم الاتفاق على إعادة البحث عن بيت خبرة أجنبي فإن التقرير لن تتم دراسته إلا بعد اكتمال بناء السد بمواصفاته الراهنة!!

تأجيل هذا الخلاف وترحيل القضايا العالقة من اجتماع لآخر لن يحل المشكلة ولن يخفف الضغوط على الحكومة المصرية!!

• mahgoubsalih@maktoob.com


التعليقات

بواسطة : حسن ابوعلى

الجمعة، 13 نوفمبر 2015 01:20 م

تحيا مصرويموت الفقير