الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
06:33 ص بتوقيت الدوحة

نحن... وهم..!!

أسامة عجاج

الخميس، 12 نوفمبر 2015
نحن... وهم..!!
نحن... وهم..!!
الظروف هي من فرضت علينا إجراء تلك المقارنات، والبحث عن الاختلافات، فقد شاءت التطورات الأخيره في كل من مصر وتركيا، أن يشهد كل من البلدين إجراء انتخابات نيابية مهمة، ما يغري أي باحث في دراسه القواسم المشتركه -إذا وجدت- بين كل منهما، والتباين في التوجهات، مع الوضع في الاعتبار، أن هناك عوامل مهمة تؤثر تتعلق بتاريخ كل منهما في الممارسة الديمقراطية، والعمل النيابي والحزبي.
ولعلنا لا نستعجل في إصدار الأحكام، أو التعامل مع أفعل التفضيل، لأي من التجربتين.
وسنركز على العديد من الأبعاد، لعل في مقدمتها الظروف التي دفعت كلا من الحكومة التركية والمصرية، إلى إجراء الانتخابات، لنكتشف أول التباينات، أنه في الحالة التركية، كان هناك تصميم على تلك الخطوة، التي اعتبرها كثير من المراقبين مغامرة، قد تؤثر على تضاؤل فرص حزب العدالة والتنمية، بعد تراجع نتائجه في الانتخابات السابقة، التي جرت في يونيه الماضي، صحيح أنه ظل صاحب المركز الأول والفائز بالأكثرية، ولكنها لا تمكنه من الحكم بمفرده، بل تدفعه دفعا إلى خيار الحكومة الائتلافية، مع غيره من الأحزاب، للوصول إلى أغلبية في البرلمان، وتبعات ذلك في التوصل إلى برنامج عمل، يراعي مطالب الأحزاب المشاركة في الائتلاف، وكان رأي رجب طيب أردوغان، رغم أنه تخلى -بعد انتخابه رئيساً للبلاد- عن قيادة الحزب، ومنذ اليوم الأول لانتخابات يونيو الماضي، رأى ضرورة العمل من أجل انتخابات برلمانية مبكرة، وأثبتت الأيام صدق تحليله، فقد فشلت كل المحاولات التي جرت من أجل تشكيل تلك الحكومة، ولم يعد هناك خيار سوى العودة من جديد لصناديق الانتخابات، مع الإقرار بحق الشعب في الاختيار، والقبول بالنتيجة سلبا أو إيجاباً، فهذه هي الديمقراطية.
واختلف الأمر في الحالة المصرية؛ حيث ذهب النظام إلى الانتخابات البرلمانية مضطرا، وبعد استنفاد كل وسائل التأجيل والتسويف، رغم أنها كانت أحد بنود خارطة المستقبل، التي تم الإعلان عنها في ٣ يوليو ٢٠١٣، ويومها قيل إنها ستتم خلال ستة أشهر، ومر منذ ذلك التاريخ أكثر من عامين، والموضوع ليس على أولويات لا الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور، والرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، بل تم ترحيله إلى ما بعد كتابة دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية، ولجأ النظام إلى كل الأساليب، واستخدم كل الحيل، فقط لتأجيلها عن طريق القضاء، بوضع قوانين انتخابية، هو أول من يدرك عدم دستوريتها، ولم يرضخ في نهاية الأمر سوى بضغوط من الخارج، الذي ربط بين استئناف علاقاته الطبيعية مع مصر، وعودة الاستثمارات الأجنبية إلى معدلاتها السابقة، ووجود مجلس نيابي، ينهي حالة جمع الرئيس بكل السلطات في يده، وكانت الانتخابات التي تمت، في ظل تدخل واضح من الإدارة، تَمَثَّل في تشكيل القوائم الانتخابية، والتحكم فيمن له حق الترشح.
أما البعد الثاني من المقارنة بين التجربتين، فهو حجم الإقبال، والذي يكشف مدى الاهتمام الشعبي بالعملية الانتخابية بصفة عامة، وبقناعاته بأهمية وجود برلمان قوي. في التجربة التركية، وصل حجم الإقبال ونسبة التوافد على اللجان إلى معدلات غير مسبوقة، فقد وصل عدد الذين يحق لهم الاقتراع ٥٢ مليون ناخب، شارك منهم حوالي ٤٥ مليون، ومن الرقم هناك ٣ ملايين بالخارج، بنسبة حوالي %٨٥، بينما نسبة المشاركة في المرحلة الأولى من الانتخابات المصرية، لا تتجاوز %26.5 وهذا هو الرقم الرسمي المعلن، وإن كانت بعض التقارير تشكك في حقيقته، وتشير إلى أنه أقل بكثير عما ذُكر.
ويصبح المطلوب هنا معرفة أسباب المشاركة الواسعة في الحالة التركية، وبين العزوف الملحوظ في الجانب المصري، لدرجة أن ٤٠ ألف شاب من جماهير النادي الأهلي، وهو أشهر أندية كرة القدم المصرية، حضروا مران اللاعبين في مدرجات استاد مختار التتش بوسط العاصمة، بينما لجان الاقتراع تعاني من قلة المشاركين، ولعل من المهم هنا، أن نشير إلى أن قطاعا كبيرا من الجماهير المصرية، لم تذهب لأنها شعرت بأنه ليس مطلوبا منها تلك المشاركة، وأنه لم يعد هناك أهمية لصوت الناخب المصري، فعاد إلى عادته القديمة، كما أن استبعاد الإخوان من المعادلة السياسية بقدراتهم التنظيمية على الحشد، أثَّر بالسلب على نسبة المشاركة.
أما ثالث الأبعاد، فيتعلق بالوضوح الشديد وحالة الفرز الصحيح بين الأحزاب التركية، مع التركيز على تلك المتمثلة في البرلمان، والتي جسدتها نتائج الانتخابات، فنحن أمام أربعة أحزاب فعلية، نجحت في الانتخابات الجديدة، دون أن يعني ذلك أن هناك مجموعة أخرى لم تنجح في تجاوز حاجز الـ%١٠، المطلوبة للتمثيل في البرلمان، فقد استطاع الحزب الحاكم العدالة والتنمية، من تحسين نتائجه من أكثر من %٤٩، بعد أن كان حوالي %٤٠، وأضاف حوالي 2.7 مليون ناخب جديد، وأصبح له ٣١٦ عضوا في البرلمان، بعد أن كان العدد في انتخابات ٨ يونيو الماضي ٢٥٨، واحتفظ حزب الشعب على جمهوره من اليسار والعلمانيين، وزاد فقط مقعدين ليحصل على المرتبة الثانية بـ١٣٢ مقعدا، أما الحزب الثالث حزب الحركة القومية، فقد مُني بهزيمة كبيرة، وانخفض عدد مقاعده في البرلمان إلى حوالي النصف، من ٨٠ مقعدا إلى ٤١ مقعدا فقط، ونفس الحال كان نصيب حزب الشعوب الديمقراطي، الذي نزل تمثيله من ٨٠ إلى ٥٩ نائبا، أما في الانتخابات المصرية، فعلى الرغم أنها تمت في مرحلتها الأولى، والثانية موعدها في ٢٢ و٢٣ من الشهر الحالي، إلا أنه لن يكون هناك تغيير كبير، لا في نسب المشاركة، أو النتائج المتوقعة، وقد كشفت نتائج تلك الجولة، عن نجاح ١٦ حزبا في التمثيل والدخول إلى المجلس النيابي، جاء في المرتبة الأولى المصريين الأحرار، ويتزعمه رجل الأعمال المشهور نجيب ساويرس، وبعده مستقبل وطن، ورئيسه محمد بدران يطلق عليه ابن الرئيس المدلل، ومثل الحصان الأسود في هذه الانتخابات، رغم أنه أحدث الأحزاب في مصر، نتيجة حصوله على دعم ومساعدات مالية ضخمة، تم الكشف عن ممولي الحزب، وبعضهم من كبار رجال الأعمال. ثم الوفد والشعب الجمهوري، بينما تفاوتت بقية الأحزاب في الحصول على مقعد واحد مثل مصر الحديثة، وبين سبعة مقاعد، ومنها حماة وطن، ويضم عددا من كبار الضباط المتقاعدين.
وقد كرست الانتخابات عودة ظاهرة المال السياسي، ودور رجال الأعمال، فهناك ١٥ حزبا في مصر، تدار بواسطة رجال أعمال.
أما البعد الرابع في المقارنة، فيتعلق بالنظر إلى المهام المتوقعة لكل من البرلمان المصري والتركي، وإن كان يجمعهما الرغبة في تعديل الدستور. في تركيا يسعى رجب طيب أردوغان إلى إدخال تعديلات جوهرية على النظام السياسي، وتحويله من برلماني إلى رئاسي، وكان يحتاج إلى ٣٣٠ مقعدا في البرلمان، ليتمكن من الدعوة إلى استفتاء شعبي، أو ٣٧١ مقعدا من أجل إجراء تعديل من خلال أغلبيته في البرلمان، ولم يحظ الحزب بأي منهما، ما صعب من مهمة أردوغان، أو مخططه لذلك التغيير. أما في مصر فلم يعد خافيا على أحد أن الكتلة الرئيسية في المجلس، ستتماهى مع السياسات الحكومية، خاصة أن الأحزاب الفائزة كلها من دون استثناء، على يمين الرئيس، أو على شماله، وجميعها رهن إشارته. ولهذا فالمهمة الأساسية للبرلمان القادم، هي تعديل الدستور، والتخلي طواعية عن عدد من الميزات، التي عززت العلاقة بين الرئيس والمجلس، وعادلت قدرات كل منهما. الدستور منح للرئيس حق حل البرلمان، وأعطى للمجلس النيابي حق سحب الثقة من الرئيس، ولكن عبر استفتاء شعبي.
مجالات المقارنة بين الانتخابات في البلدين ونتائجها عديدة، ومنها التأثير الخارجي الضخم، على عدد من القضايا والملفات، ومنها القضية السورية بالنسبة لتركيا، والمحلية الشديدة للانتخابات البرلمانية المصرية، وكلها تصب في اتجاه مدى الشعور بالحسرة، على تراجع الممارسات الديمقراطية في مصر، وتحقيق مزيد من الاستقرار والتقدم، كما في الحالة التركية.

usama.agag@yahoo.com •
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.