الإثنين 16 محرم / 16 سبتمبر 2019
05:29 م بتوقيت الدوحة

جنبونا المزيد من الحروب

جنبونا المزيد من الحروب
جنبونا المزيد من الحروب
زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد -حفظه الله- الرسمية أمس الثلاثاء لواشنطن هي الأولى منذ توليه مقاليد الحكم بالبلاد في 25 يونيو 2013، وتكتسب لقاءات صاحب السمو أمير البلاد المفدى مع الرئيس الأميركي أوباما ونائبه، إضافة إلى اجتماعاته مع كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين في واشنطن -على هامش زيارته- أهمية خاصة، نظراً لطبيعة المرحلة الحرجة التي تعيشها المنطقة، في ظل تنامي التطرف وغياب الحلول الناجعة لمعالجته.
لقد لخص حضرة صاحب السمو الأمير -حفظه الله- رؤية دولة قطر في مكافحة التطرف والعنف في مقال نُشر أمس بصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية وتنشره «العرب» اليوم، حيث أكد فيه أن دولة قطر بقيادته تدعو دائماً إلى الحوار، فهو السبيل الأمثل لحل كافة النزاعات، ولا بد أن نشير هنا إلى ما قامت به الدوحة من جهود وساطات ناجحة يشهد بها العالم، سواء في لبنان أو في السودان أو في اليمن مسبقاً، حيث تمكنت من جمع الفرقاء على طاولة حوار، أفضت فيما بعد إلى اتفاقات جنبت المنطقة كوارث كنا سنعيشها إلى جانب الكوارث الحالية في سوريا ودول عربية أخرى، والحوار هو ما تدعو له الدوحة في ليبيا لحل أزمتها الحالية.
وإدراكاً من صاحب السمو الأمير -حفظه الله- بأهمية الدور الذي يمثله الشباب، أشار في مقالته إلى ضرورة إيجاد حل للشباب العربي الذي يعاني من القمع والتضييق وانسداد الأفق، ناهيك عن الأساليب الدموية التي باتت تسلكها أنظمة بعينها، كما هو الحال في سوريا الجريحة، وما تعرض ويتعرض له الشعب السوري على يد النظام، الذي سيؤدي بالتأكيد إلى انخراط الشباب في الجماعات المتطرفة، والتي تتبنى أيديولوجيات متشددة، فالقمع والقتل والتعذيب والإقصاء وغياب القانون العادل، وأيضاً غياب فرص العمل والتنمية، كلها عوامل تلد جيلاً من المتطرفين، ولا علاقة للإسلام بذلك، وهو ما أكد عليه صاحب السمو الأمير -حفظه الله- في مقاله قائلاً: «أعلم أن الكثير في الغرب ينظر إلى أن التهديد الإرهابي هو بسبب مشكلة واحدة وهي الإسلام، لكن بوصفي مسلماً، يمكنني أن أقول لكم إن المشكلة ليست في الإسلام، بل في حالة اليأس، هي نوع من اليأس الذي ينتشر في مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وفي المناطق والقرى التي أنهكتها الحرب بسوريا والعراق واليمن وليبيا وغزة، إنه اليأس الذي نراه في الأحياء الفقيرة المجاورة للمدن الأوروبية الكبيرة، بل وحتى في الولايات المتحدة. هذا هو اليأس، الذي لا يعرف دولة ولا ديناً، إننا بحاجة إلى معالجة هذه المشكلة إذا أردنا وقف موجة الإرهاب».
إن قطر لا يمكن لها أن تبرر الإرهاب، وهذا ما أكد عليه صاحب السمو الأمير في مقاله، فقطر دولة تؤكد على أهمية التعايش السلمي، وترى أن العالم يجب أن يحقق الشراكة والسلم، بعيداً عن كل فكر متطرف، غير أن لذلك عوامل وآليات وحدها يمكن أن تؤدي إلى مثل هذه النتائج، فالرؤية القطرية لا تريد معالجة مؤقتة لأعراض التطرف يكون أثرها كأثر «المسكّن» الذي يخفض ارتفاع درجة حرارة المريض، دون أن يعالج المرض الحقيقي ومسبباته.
لقد أدركت قيادتنا مبكراً أن المتطرف ما هو إلا نتيجة، وليس سبباً، وأن هذه النتيجة بالمحصلة جاءت بسبب تراكم أسباب عدة، ومن هنا دعت الدوحة -وما زالت تدعو- إلى أهمية معالجة الأسباب التي تلد الإرهاب، فالمنطقة العربية -ومنذ الاحتلال الأميركي للعراق عام -2003 لم تعرف الهدوء، حيث ولد الاحتلال الأميركي نزعة طائفية انسحبت فيما بعد إلى سوريا والمنطقة، دون أن تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وضع حد لها، مع العلم أنه كان بإمكانها ذلك لو استمعت لشركائها بالمنطقة، ولا يخفى على أي مراقب أن هناك أيادي غير عربية سعت وما زالت تسعى إلى تغذية النزعة الطائفية في منطقتنا.
لقد قامت أميركا وعقب الحرب العالمية الثانية بإعلان خطة مارشال الاقتصادية في ألمانيا وأوروبا، وهي الخطة التي أسهمت في إيجاد شعوب متصالحة مع نفسها، دون أن تنزلق تلك الشعوب لقاع التطرف والعنف، والأمر نفسه ينطبق على ما قامت به أميركا في كوريا الجنوبية واليابان، عندما وضعت خططاً تنموية عقب الحرب العالمية الثانية، نزعت من أجيال هذه الدول اللاحقة فتيل التطرف والعنف، فلماذا لا تبادر أميركا ومعها المجتمع الدولي إلى تبني مثل تلك الخطط في ليبيا وفي سوريا بعد مساعدة الشعب السوري على نيل حقوقه؟
إن مراجعة تاريخية بسيطة لأسباب ظهور النازية تظهر أن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، واضطرارها إلى توقيع شروط مذلة ومع غياب أية مشاريع تنموية، أدى إلى اليأس والإحباط الذي أصاب جيلاً كاملاً في ألمانيا، ما أسهم في ظهور النازية، ومن هنا جاء مشروع مارشال عقب الحرب العالمية الثانية لتفادي أخطاء ما تعرض له العالم يوم أن أهمل ألمانيا المهزومة عقب الحرب العالمية الأولى.
إن المنطقة معرضة لمزيد من الانتكاسات، وستظهر فيها المزيد من جماعات التطرف إذا ما استمر العالم في التعامل مع هذه المشكلة بالطريقة ذاتها التي تعتمد على القوة العسكرية فقط، وتغييب خطط حقيقية تنزع فتيل الصراعات. ونرى ليبيا تسير على طريق سوريا، فالعدوان العسكري المصري الأخير -الذي أدى إلى مقتل وإصابة مدنيين بحجة قصف «داعش»- يخالف القانون الدولي العام، ولن يخرج لنا شعباً مسالماً، ومن هنا لا بد من التحذير من أن استمرار دعم الجنرال حفتر ومواصلة مصر الجنرال السيسي انتهاك السيادة الليبية، سيؤديان إلى تفاقم حالة التطرف في المنطقة، والعجيب أن الجنرال السيسي يريد حلاً سياسياً في سوريا وحلاً عسكرياً في ليبيا مع تغييب تام للحوار بين الفرقاء الليبيين!.
لقد دانت منظمة العفو الدولية ومنظمة «هيومين رايتس ووتش» العدوان الذي أمر به الجنرال السيسي على ليبيا، مؤكدة أن تلك الغارات العدوانية أدت إلى مقتل مدنيين، وأن هذا العدوان يرتقي إلى جريمة حرب، وهو ما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة في ليبيا وليس إلى حلها.
إن ليبيا بحاجة إلى حل سياسي، وهذا ما تدعو إليه قطر والشقيقة الجزائر ذات الثقل العربي الكبير في شمال إفريقيا، والتي بدورها تتضرر من التدخل العسكري الذي تقوم به مصر الجنرال السيسي. إن ليبيا بحاجة إلى حوار يجمع كل الأطراف، ويوحدها، ويكف عنها اليد الخارجية التي تسعى لتسيير ليبيا وفقاً لأجندات خارجية بعيدة عن طموحات الشعب الليبي.
إن الإرهاب ليس صناعة إسلامية، كما يحاول أن يصوره البعض، وإنما هو نتيجة تراكم مشاكل جمة، على رأسها قضية فلسطين المحتلة، وكذلك السماح بإبادة الشعب السوري، وغيرها من الأزمات الكبرى التي دفعت الشباب العربي إلى اليأس، فبات التطرف سلاحاً وجده البعض في متناول أيديهم، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك ذلك ويسعى لتلافي تلك الأسباب، وسحب البساط من تحت أقدام الجماعات المتطرفة، من خلال إيجاد الحلول الناجعة لاستثمار طاقات الشباب، وحل مشاكله الحقيقية والكبرى.
لقد خرج الشباب العربي بحثاً عن فضاءات الحرية في ثورات عارمة، غير أن حصار تلك الثورات دفع الشباب الثائر إلى أحضان جماعات لا تؤمن بالحوار ولا بالآخر.
رؤية قطر لمكافحة الإرهاب والتطرف رؤية منطقية عقلانية، تدرك أن ما نعيشه اليوم إنما هو وليد أزمات الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، وغياب رؤية دولية في معالجة أزمات المنطقة.
تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد اجتماعه مع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد -حفظه الله- بأن دولة قطر حليف استراتيجي، وأنه يتفق مع سمو الأمير -حفظه الله- بأن بقاء الجزار بشار الأسد في سدة الحكم لن يؤدي إلى استقرار سوريا، تصريح في غاية الأهمية، ويتطلب عملاً حقيقياً يترجم طموحات الشعب السوري إلى واقع، كما أن تطرق صاحب السمو الأمير -حفظه الله- للأوضاع الفوضوية في ليبيا، إضافة إلى مناقشة أزمة اليمن مع الرئيس الأميركي في غاية الأهمية، ونترقب نتائجه، لا سيما وأن دولة قطر تترأس الدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، وتمثله بالتنسيق مع الرياض ومسقط والكويت وبقية الخليج، بعد أن عاث الحوثي وداعموه فساداً في اليمن، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على الأشقاء اليمنيين وعلينا نحن أيضاً مواطني الخليج، وكل ما نحتاجه الآن هو العمل على إيجاد آلية للحوار في غير مكان عربي، لتجنب المزيد من الحروب.. ألا تتفقون معي يا إخوان؟

وعلى الخير والمحبة نلتقي..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.