الجمعة 06 شوال / 29 مايو 2020
01:46 م بتوقيت الدوحة

صمام أمان المجتمع اليمني

صمام أمان المجتمع اليمني
صمام أمان المجتمع اليمني
حينما تتخلى الدولة عن واجباتها تجاه مواطنيها لأي سبب من الأسباب، يكون المجتمع أمام اختبار حقيقي لقيمه وتضامنه وقواعد علاقاته، وعليه أن يختار النتيجة المطلوبة، والتي ستحدد مدى تماسكه الاجتماعي، وقدرته على العيش بروح التكافل والتعاون، أو تُظهر مستوى العجز والتفكّك الذي أصابه جراء الحروب والأزمات وغياب الدولة أو انهيارها بشكل كبير كما هو الحال في اليمن.
والحقيقة أنه لولا وجود القبيلة والروح التعاونية التضامنية بين الناس، لربما كانت أحوالهم أسوأ مما هي عليه اليوم، وليس في ذلك مبالغة لمن يعيش في الداخل، أو على اطلاع بما يجري من خلال علاقاته واتصالاته بأهل الثقة والصدق.
وكما هو معروف عند كل مجتمع، فهناك قواعد وقيم مشتركة تحميه عند غياب أو فشل الحامي الأول لمصالح الجميع وهو الدولة، وفي حالة اليمن تبرز القبيلة بأعرافها وتقاليدها وقيمها الأصيلة، وكذا روح التعاون المجتمعي الذي لا تقضي عليه خلافات السياسة، وإن أثّرت عليه وحدّت من فاعليته.
فالقبيلة هي النواة الأولى لتحالفات واتحادات الدول اليمنية القديمة منذ ما قبل الميلاد، مروراً بتاريخ اليمن الوسيط وصولاً للعصر الحديث، وفي كل تلك المحطات لعبت القبيلة كمؤسسة اجتماعية لها تقاليدها وقياداتها ووظائفها، أدواراً كبيرة على المستويات كافة، وكانت هي الملاذ الآمن حين تغيب الدولة.
وفي الوقت الحالي، حيث الدولة اليمنية في حالة انهيار شبه كلي، والبلد تتقاسمه سلطات أمر واقع كثيرة، وميليشيات مموّلة من هنا وهناك، وحرب مستمرة خلّفت أكبر أزمة إنسانية في العالم، وثالث أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم أيضاً، لم يكن أمام الشعب لمواجهتها في ظل الخذلان الذي يتعرض له من قبل قياداته المحلية واللاعبين الخارجيين، سوى استدعاء ما يملكه من إرث تاريخي، إن على مستوى تفعيل دور القبيلة أو التعاون المجتمعي من خلال المبادرات والمغارم والإغاثات.
القبيلة تحمي أفرادها من كل المخاطر، وتحفظ كرامتهم وحقوقهم، ولها آلياتها لفضّ النزاعات والفصل بينهم عند الخلافات، وفيها «النكف» الذي ينصر المظلوم ومن يلجأ إليها من خارجها، والعون الذي يشترك فيه الجميع عند الدعوة للبناء والإنقاذ، وهذا الدور والحضور يختلف من محافظة إلى أخرى، بسبب عوامل كثيرة منها مدى تماسك القبيلة وقوتها العسكرية والمالية، وضعف حدة الاستقطاب السياسي داخلها، وبعدها عن مناطق سيطرة الحوثيين، الذين يشكلون أكبر تهديد لها، ولا يرون فيها إلا مجرد بنادق للقتال، ومحصلي جبايات من خراج الأرض.
لهذا نرى المحافظات التي فيها تماسك قبلي وهي بعيدة عن الحوثيين، أكثر استقراراً وأماناً وأقل معاناة إنسانية، وللدولة فيها حضور لأن القبيلة ليست ضدها، وهناك من يخلط بين مواقف بعض زعاماتها، وبين القبيلة كمؤسسة اجتماعية أفرادها بالآلاف، وهذا الخلط أدى إلى تصور سلبي عن دورها وتاريخها.
وتكاملاً مع هذا الدور الإيجابي، هناك نشاط مثمر للمبادرات المجتمعية الفردية والجمعية، سواء في الداخل أو على مستوى المغتربين الذين يمثلون بحوالاتهم البنك الوطني الحقيقي، الذي يخفف من معاناة الناس، ويعزّز صمودهم وتماسكهم حتى يتفق قادتهم وداعموهم الخارجيون على حلّ ينهي مأساتهم الكبيرة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.