السبت 14 شوال / 06 يونيو 2020
04:10 ص بتوقيت الدوحة

تداعيات جائحة كورونا: أزمة الدولة الحديثة أم نهاية الديمقراطية

تداعيات جائحة كورونا: أزمة الدولة الحديثة أم نهاية الديمقراطية
تداعيات جائحة كورونا: أزمة الدولة الحديثة أم نهاية الديمقراطية
إن جائحة كورونا ستغير النسق العام للسلطة والعلاقة ما بين المجتمع والدولة، فالتصور النيولبيرالي للدولة ، يجعلها حسب تعبير أحد دعاتها (روبرت نويزك) الدولة الخادمة للسوق أو دولة الحارس الليلي ، كما أن معالم هذه الأيديولوجيا تبشر بالجهوية كأسلوب للتدبير العمومي، والشراكة خاص/عام كأحد البدائل التنظيمية للخدمات العامة. إن هذا البراديغم التنموي النموذجي الذي سوقته العولمة المؤدلجة مجرد صرح من رمال تهاوى مع أول موجة اختبار لأساساته. إن إدارة الصين لأزمة «كورونا» حطم كل يقينيات اللبيرتارية التي تُسَيِّد الفرد وتقلّل من شأن المجتمع، وتعلي من مكانة الحرية الفردية بقيمها الاستئثارية الأنانية، وتهزأ بقيم الخير العام. إن هذا النقاش سيعيدنا إلى مفهوم مراجعة الخيارات الأيديولوجية من جديد، لكن بمعنى مختلف عن النقاشات التي صاحبت الثنائية القطبية، لا ضمن سياق أيديولوجيا النهايات التي بشرت بها أطروحتي نهاية التاريخ وصراع الحضارات. كل هذا يؤشر على عودة دور الدولة أو رأسمالية الدولة على النمط الصيني، كما ستشهد تحولاً عميقاً في مفهوم التدبير العمومي والسياسات العمومية. كما أن التغيير لا ينفك يعيد النظر في براديغم الحوكمة، بل يعيد بناء تصور للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وينبئ بنهاية الديمقراطية بنوعيها التمثيلية والتشاركية، هذه الأخيرة التي تبدو كمناورة سياسية لتسويغ الشراكة بين المجتمع المدني والدولة تبخبسا للعمل الحزبي، وثنائيه الشراكة عام/خاص كتبرير للخصخصة. إن أزمة جائحة كرونا ستغير نسق السلطة ومفهوم السيادة رأساً على عقب، فلم تعد السلطة مبنية على مشروعية مراكمة العنف (الشرعية القانونية)، بل ستتحول إلى مشروعية تأمين الحياة (شرعية حيوية) أو ضمير المجتمعات وقوتها الحيوية، أي الكفاح من أجل البقاء، أو ضمان الحياة أمام تهديد حروب المستقبل (الحروب البيولوجية). كما لم تعد السيادة مرتبطة بالسيادة الإقليمية والحدود والمواطنة في بعدها القومي (الدولة القومية)، أو السيادة المعولمة المبنية على الحكامة العابرة للدول. من المؤكد أن أننا سنشهد حِمائِيّة جديدة وعودة الدولة القومية فيما يسمى بخطاب ما بعد العولمة، لكن بشكل مختلف. إن المتوقع في نظرنا هو عودة النزعة الهوياتية أو ما أسميه الاحتماء الثقافي أو النكوص الثقافي ، أمام انهيار القيم الحضارية الغربية المعولمة (قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان). إن هذه النكوصية الثقافية تدشن لمساواة بين الثقافات وبداية نهاية الهيمنة الثقافية الغربية، كمدخل لبناء هوية ثقافية عالمية، مبنية على الاحترام المتبادل للثقافات أو التواصل الثقافي الخلاق.
إن النكوص الثقافي هو تعبير عن عجز الخيال السياسي الغربي عن إيجاد مخرج لأزمة الدولة الحديثة، أمام تزايد الشعبوية الديمقراطية (صعود اليمين في الديمقراطيات الغربية، وهيمنت الرداءة السياسية في الخطاب السياسي الغربي)
إن أزمة الديمقراطية، تتيح إمكانية تسويغ أنماط جديدة للسلطة، مبنية على استمرارية السلطة بدل فكرة التناوب السياسي، وعودة الزعامات الملهمة (الكارزما السياسية) ليس على شاكلة النمط الفيبري(Max Weber) التقليداني (تاريخية، قبلية، دينية...)، بل كارزما مبنية على شرعية الإنجاز. إن نجاح الأنظمة المركزية وزعامات الإنجاز في كل من الصين وتركيا وروسيا، تدشن لنمط جديد للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تستلهم مفهوم الاستبداد العادل أو المستنير كنسق جديد للأنظمة السياسية في المستقبل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.