الجمعة 06 شوال / 29 مايو 2020
06:41 ص بتوقيت الدوحة

هناك ما هو أسوأ من تصفية القضية.. ما هو؟

هناك ما هو أسوأ من تصفية القضية.. ما هو؟
هناك ما هو أسوأ من تصفية القضية.. ما هو؟
في واحدة من تغريداته الوقحة، بل الطاعنة في الوقاحة، والتي تكاثرت بشكل لافت خلال الشهور الماضية، كشف رئيس الوزراء الصهيوني (نتنياهو) عن هدف يمكن القول إنه أسوأ من تصفية القضية الفلسطينية، وإن كان ذا علاقة مباشرة معها.
نفتح قوساً كي نشير إلى أن غياب نتنياهو وتشكيل «غانتس» لحكومة الاحتلال، لن يغيّر شيئاً؛ لأن ما نتحدث عنه عابر للحكومات، وهو ما سيتأكد في السطور القادمة التي تتحدث عن مراحل مختلفة قادتها حكومات من كل لون.
في تلك التغريدة قال نتنياهو بالنص: «نحن في أوج عملية تطبيع مع عدد كبير جداً من الدول العربية والإسلامية. أنتم ترون جزءاً صغيراً منها فقط؛ هو رأس الكتلة الجليدية الذي يظهر فوق سطح الماء. تحت سطح الماء هناك عمليات كثيرة تغيّر وجه الشرق الأوسط، وتضع إسرائيل في مكانة الدولة العظمى إقليمياً وعالمياً. هذه هي ثمار سياستنا».
يكشف نتنياهو في هذه التغريدة ما هو أسوأ من تصفية القضية الفلسطينية، إذ يكشف جوهر المشروع الصهيوني الذي يتعامى عنه مراهقو السياسة في المشهد العربي هذه الأيام، والذين يطلبون ودّ الكيان على حساب الأمة، وعلى حساب شعوبهم، وأمنهم القومي.
من الأبجديات التي كان يعرفها العرب طوال العقود الماضية أن المشروع الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحسب، بل يستهدف الهيمنة على المنطقة برمتها. وحين تحدث شيمون بيريز عن السلام، تحدث عن الشرق الأوسط الجديد الذي يتسيّده الكيان الصهيوني، ولم يتحدث عن تسوية مع الفلسطينيين وحسب.
وحين تحدّث المحافظون الجدد عن مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ لم يكونوا يقصدون تسوية الصراع الصهيوني الفلسطيني، بل جعل الكيان الصهيوني سيداً على المنطقة، وكان احتلال العراق هو البداية.
في الجولة الأولى بعد أوسلو، أدرك النظام العربي الرسمي هذا البعد، فكانت قمة الإسكندرية عام 1995، والتي شاركت فيها السعودية وسوريا، بجانب مصر بطبيعة الحال، والتي وقفت ضد «هرولة» العرب نحو الكيان الصهيوني.
حدث ذلك قبل أن يتدهور الوضع الرسمي المصري، إثر نوايا التوريث التي كان ينبغي دفع ثمنها للأميركان من العلاقة مع الكيان الصهيوني.
بعد احتلال العراق، أدرك النظام العربي الرسمي جوهر المشروع، ولذلك رأينا كل التناقضات تقف بمستويات شتى، إلى جانب المقاومة العراقية التي استنزفت الأميركان، وأفضت إلى فشل المشروع في جولته الثانية.
أما الجولة الجديدة التي تحمّل مسمى «صفقة القرن»، وجاءت بعد الحريق الراهن الذي أشعلته الثورة المضادة وإيران، والتي كشف نتنياهو هدفها الأكبر بوضوح، فلا أحد يواجهها من الناحية العملية، بل نرى أنظمة تجيد الاشتباك مع بعضها البعض، فيما تغازل الأميركان والكيان الصهيوني، طلباً للدعم والشرعية، ما يجعل فرص نجاح هذه الجولة أكبر بكثير من الجولتين السابقتين.
المراهقة السياسية هي التي تحكم المشهد العربي الرسمي هذه الأيام. والمراهقة تعني خلل الأولويات بشكل رئيس؛ إذ تحتل مطاردة أشواق الأمة في الحرية والتحرر، ومطارة ما يعرف بـ «الإسلام السياسي»، أولوية الكثير من الأنظمة، وتُدفع عشرات المليارات في السياق، فيما يجري دفع الكثير لأميركا، ومغازلة الكيان، بوصفه مفتاح البيت الأبيض.
وفي الأثناء، تشتبك الأنظمة مع بعضها البعض، وتغدو تركيا ذات أولوية في العداء، بجانب إيران بطبيعة الحال، ولا يغدو في المشهد سوى التحالف مع الكيان الصهيوني.
والنتيجة هي منطقة مدججة بالتناقضات، ليس فيها سوى دولة واحدة متماسكة هي الدولة الصهيونية، التي تنفتح شهيتها على تطبيع واسع، وهيمنة أكبر على المنطقة، تحقيقاً للحلم الذي فشلوا في تحقيقه بعد أوسلو، وبعد غزو العراق.
وحدها الانتفاضة الشاملة في الأراضي الفلسطينية هي التي يمكن أن تقلب الطاولة في وجه هذا المشروع، لكن المصيبة أن قيادة السلطة محسوبة على محور المراهقة السياسية، وإن رفضت «صفقة القرن» بالخطابة.
ليست هذه وصفة لليأس، فللشعب الفلسطيني طقوسه في تفجير المفاجآت، كما أن للأمة مثل ذلك أيضاً، فمن هو الذي توقّع أن تندلع مقاومة العراقيين سريعاً كما حدث؟!
كل ذلك يحتاج إلى عمل، وليس إلى انتظار بطبيعة الحال، من قبل قوى المقاومة الفلسطينية، ومن قبل جميع القوى الحيّة في الأمة، والتي كان لها الدور الأكبر في إفشال المحطتين السابقتين اللتين أشرنا إليهما.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.