السبت 07 شوال / 30 مايو 2020
02:01 ص بتوقيت الدوحة

سد النهضة ودبلوماسية ما وراء الكواليس

سد النهضة ودبلوماسية ما وراء الكواليس
سد النهضة ودبلوماسية ما وراء الكواليس
المفاوضات الثلاثية حول سد النهضة التي انطلقت مؤخراً في واشنطن بوساطة أميركية، كانت هي المحاولة الأخيرة التي لجأت إليها مصر لتضمن قدراً من الالتزام الإثيوبي بالاعتراف ولو جزئياً بالحق التاريخي لمصر في مياه النيل، بحكم أنها البلد الوحيد في حوض النيل المحروم من الأمطار، وبالتالي يعتمد كلياً على مياه النيل، بينما ظلت إثيوبيا مصرّة على رفض مبدأ "الحقوق التاريخية" في مياه الأنهار المشتركة، متمسكة بحق جميع الدول المتشاطئة على نهر واحد، حقها جميعاً في الاستفادة من موارد ذلك النهر، وأنها حينما تقيم سداً على النهر فهي تمارس ذلك الحق، مضيفة أن السد سيوظف كلياً لإنتاج التيار الكهربائي، وبالتالي فإنه لا يستهلك مياهاً ولا يُستعمل لأغراض الري لمشاريع زراعية.
كانت مصر تؤمل في أن تستجيب إثيوبيا للضغوط الأميركية التي وعدها الرئيس ترمب بممارستها على أعلى درجة، ولذلك استقبلت مصر انطلاق تلك الجولات التفاوضية بقدر كبير من التفاؤل، وبنت عليها آمالاً عراضاً، بينما قبلت بها إثيوبيا على مضض، لأنها كانت تدرك تماماً أنها ستتعرض لضغوط غير مسبوقة لكي تقدم تنازلات هي غير مستعدة لتقديمها، وفي الوقت نفسه فهي حريصة على ألا تغضب أميركا، ولذلك دخلت في الجولات مستدعية كل قدراتها الدبلوماسية، لتخرج منها بأقل الخسائر، ويومها نبّهنا في هذا الباب إلى أنه من السابق لأوانه الإسراف في التفاؤل، وشككنا في استعداد إثيوبيا للاستجابة لكل الضغوط التي ستمارسها أميركا، وأنها في لحظة معينة ستتوقف عن تقديم أي تنازلات، وصح ما توقعناه، فإنها في اللحظة الأخيرة من الجولة المخصصة للتوقيع على الاتفاقية الثلاثية التي كلفت الحكومة الأميركية بإعدادها بعد الموافقة في المفاوضات على نقاطها الأساسية، انسحبت إثيوبيا من التفاوض بحجة أنها تحتاج مزيداً من الوقت للتشاور، واعتبرت أن المفاوضات لم تكتمل بعد، وبالتالي فإنها تعتبر أن الباب ما زال مفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه أعلنت أنها ستشرع في ملء بحيرة السد، دون أن تكون ملتزمة بأي شيء ورد في محادثات واشنطن، لأن تلك المحادثات ما زالت غير ملزمة، إذ إن التوقيع عليها لم يتم، وستلتزم فقط بإعلان المبادئ الموقع عليه، وهكذا بهذا الإجراء تكون إثيوبيا عملياً قد شطبت من الأجندة كل التفاهمات التي تمت في واشنطن، لأنها لم توقع بعد على قبولها.
ويبدو لي أن القشة التي قصمت ظهر البعير هي المقترح الرامي إلى إشراك دولتي الحوض مصر والسودان في الإشراف على إجراءات تشغيل الخزان، فإثيوبيا حريصة على أن تشرف منفردة على إجراءات تشغيل الخزان، وأن توفر للدولتين الأخريين المعلومات التي تطلبانها دون إشراكهما في التشغيل، حتى تستطيع أن تحجب بعض المعلومات التي تريد إثيوبيا الاحتفاظ بسريتها باعتبارها جزءاً من متطلبات أمنها القومي. والسؤال الذي ما زال مطروحاً دون إجابة: ماذا سيحدث الآن بعد أن أجهضت إثيوبيا المبادرة الأميركية في آخر مراحلها؟ هل ستصمت أميركا وترفع يدها عن أمر هذا النزاع كلياً؟ أم ستظل تضغط من وراء ستار مستنجدة بأسلوبها المعروف، اللجوء للجزرة والعصا حتى تلين الموقف الإثيوبي؟ الخيار الأخير هو الخيار الوحيد المتاح لها لإنقاذ ماء وجه أميركا، وهو ما نتوقع أن تنخرط أميركا فيه رغم انشغال رئيس أميركا بقضيته الداخلية الأولى: قضية الانتخابات الأميركية ومساعيه لتجديد ولايته لفترة رئاسية ثانية، وهو مشروع محفوف بمخاطر كثيرة ومنافسة حادة.
ردود فعل مصر على هذه التطورات، وعلى انسحاب إثيوبيا من الساحة في اللحظة الأخيرة، ردود فعلها اتسمت على غير العادة بضبط النفس، واللجوء إلى التعبيرات الدبلوماسية غير المتشددة، ما يشير إلى أن مصر ما زالت تراهن على الضغوط الأميركية، وتحس أن هذا الموقف المتوازن من جانبها، من شأنه أن يحفز أميركا على بذل مزيد من الضغوط، والتمسك أكثر وأكثر بسياسة الجزرة والعصا، لقد خرجت قضية سد النهضة تماماً من مجال المواجهات الساخنة إلى رحاب دبلوماسية ما وراء الكواليس، فهل ينجح الأسلوب الجديد؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.