الجمعة 06 شوال / 29 مايو 2020
06:19 ص بتوقيت الدوحة

التنوير السياسي بعيداً عن الأشباح

التنوير السياسي بعيداً عن الأشباح
التنوير السياسي بعيداً عن الأشباح
لماذا تصرّ الغالبية من الشعوب العربية على مطاردة من رحلوا؟ خصوصاً الزعماء والرؤساء منهم؟ صحيح أن قراءة السيرة الذاتية لمن حكموا بلداناً ودولاً هواية شيّقة، لأننا من خلالها نتعرف أكثر عن كثب على حياة هذا الرئيس أو الزعيم، وكيف كان نمط حياته، وطباع أبنائه، وهل فعلاً كان مغرماً بتلك الممثلة وابنة الوزير أو تلك الطبيبة؟ ما هي ملذاته الشخصية، خليلاته وهوايته، نوع السيجار الذي يفضّله؟ الكتب التي يقرأها؟ كان حنوناً مع زوجته أم قاسياً معها كما كان مع الشعب؟ هل كان يصلّي أم لا؟ أم يصوم؟ أو ربّما ملحد ويدّعي الإيمان؟
كل هذه الأسئلة مشروعة إذا كان الهدف منها التعلّم من تجارب الآخرين، واستقاء الدروس والعبر، واكتشاف الجانب الآخر من حياة من نظنّهم مخلّدين، لكن هذا الفضول يتحول إلى ظاهرة غير صحية عندما يصبح «الميت» بحد ذاته موضع جدل، حيث تبدأ الشعوب العربية في تصنيفه بعد الممات، وتبدأ التكهنات بمصيره هل سيدخل الجنة أم النار؟ عداك عن الخلاف بينهم إذا كان شهيداً أم قتيلاً؟
ناهيك عمّن يبدأ بسرد أحلامه التي يعتبرها رؤية، حيث التقى هذا الزعيم أو ذاك يرفرف عالياً معه في السماوات، ويراه يجلس بين الصالحين، فيما يتكهن آخر بمصير هذا الزعيم في جهنم وبئس المصير، وكل هذه التكهنات والخزعبلات، نابعة من الموقف السياسي والعقلية التي تعيش عليها الغالبية في مجتمعاتنا، حيث نطارد من رحلوا في كتبنا وأفكارنا وتعليمنا، على أساس أن الماضي العريق والمجيد هو امتداد لحضارتنا اليوم، فيتم سجننا إما في صندوق الماضي، وصندوق المستقبل، فينسونا حاضرنا وواقعنا.
نحن شعوب المنطقة متمسكون بماضينا إلى درجة أننا ننكر واقعنا السياسي اليوم، وننشد المستقبل إلى درجة أنه بات وهماً، حيث لا رؤية مشتركة بين الشعوب العربية، وتبقى القضية الفلسطينية وحدها تلك الحجة التي نعلق عليها آمالنا ووحدتنا ومصيرنا، كي نشعر أن هناك ما يربطنا معاً، هذا لا يعني أننا لا نرتبط بقاعدة مشتركة، ولكنها قاعدة متهالكة وشاحبة.
نحن شعوب تحتاج إلى هدف مشترك، يبقينا على قيد الحياة معاً في هذه المنطقة، تختلفون على مصير هذا الرئيس بعد الموت، وتلعنون من رحلوا في قبورهم، هذه عقلية جاهلية، تجعلنا نشكك في جدوى العديد من الأنظمة التعليمية والثقافية في دولنا العربية، وتدفعنا للتساؤل كيف لطلاب الجامعات وخريجيها أن يكون هذا مستواهم الفكري؟
المصيبة الكبرى كيف لإعلاميين ومفكّرين أن تكون هذه أولوياتهم في الخلاف حول مصير حسني مبارك بعد الموت؟ أو مصير محمد مرسي؟ أو غيرهم من الرؤساء؟ حتى الكورونا وهو التحدي الصحي الذي يؤرق العالم، وجدنا فيه موضع خلاف بين من يريد إغلاق الحدود مع هذا البلد أو ذاك، ومن يريد إبقاءها مشرعة.
الخلاصة، الإعلام ومن يدعمه أو من يقمعه هو المسؤول عن الجهل السياسي للشباب في المنطقة العربية، والحل يكمن في التنوير السياسي بعيداً عن الأشباح.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

مصلحة البلد

23 أبريل 2020