الأربعاء 24 جمادى الثانية / 19 فبراير 2020
02:19 ص بتوقيت الدوحة

عدم التواصل يورث سوء الفهم

عدم التواصل يورث سوء الفهم
عدم التواصل يورث سوء الفهم
سوء الفهم الذي صاحب تسريب معلومات عن طلب تقدم به رئيس وزراء السودان للأمم المتحدة، يطلب فيه انتداب بعثة للسودان تحت البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، ما كان ليحدث لو أن الحكومة تدير الأمور بكامل الشفافية، وتطرح على الرأي العام كل قراراتها، وتشرحها شرحاً كافياً، بدلاً من أن تضرب حولها نطاقاً من السرية حتى تتسرب بطريقة تفتح الباب لشتى التأويلات، ولو كانت الحكومة أشركت الناس في قرارها بمخاطبة الأمم المتحدة، وشرحت محتوى الخطاب، وأوضحت أنه لا ينطوي على أي نوع من «الوصاية»، أو من أي آلية تتعارض مع السيادة السودانية، لما نشأ سوء الفهم الحالي.
السودان عضو في الأمم المتحدة، ومن حقه أن ينعم بأي خدمات أو مساعدات توفرها له العضوية، وفي الوقت نفسه، فإن الأمم المتحدة ليس من حقها أن تتدخل في شؤون الدول الأعضاء بأي طريقة تشكل اعتداء على سيادة الدول الأعضاء، إلا في حالة واحدة وهي حالة أن يقرر مجلس الأمن التدخل في شأن دولة ما تحت سلطاته الواردة في الفصل السابع، التي تمنحه الحق في فرض قراراته في حالتها بالقوة، وبدون الحاجة لموافقة تلك الدولة، وهي السلطة التي مارسها مجلس الأمن ضد السودان بالنسبة للحالة في دارفور، وشكّل بموجبها بعثة حفظ السلام الحالية في دارفور، وهي بعثة أممية تتشكل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وتتكون أساساً من عناصر عسكرية وشرطية ومدنية، حصر سلطة التدخل بالقوة في البند السابع ورد بصورة واضحة من ميثاق الأمم المتحدة «الفصل الأول - المادة الثانية - البند السابع»، التي تقرر أنه «ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما ليس فيه ما يقتضي للأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحاكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخل بتدابير القمع الواردة في الفصل السابع»، والفصل السابع يطبق على أي عمل يحدث في دولة ما من شأنه أن يهدد السلم والأمن الدولي، وهذا التوصيف طبق على حالة دارفور، وبالتالي نشأت بعثة «اليوناميد» تحت الفصل السابع، بينما خطاب رئيس الوزراء يريد أن يخرج حالة دارفور وحالة السودان كله من براثن الفصل السابع، ويوفر له فرصة الاستفادة من الاستعانة بما تقدمه الأمم المتحدة ووكالاتها من عون، وعندما يقدم رئيس الوزراء مثل هذا الطلب، فهو يمارس عملاً من صميم مسؤولياته، لتوفير كل العون الذي يضمن نجاح عملية السلام وبناء أسسه.
رئيس الوزراء طلب من المنظمة الدولية التي هو أحد أعضائها، ومن حق دولته أن تنعم بكل ما يمكن أن تقدمه المنظمة من عون، وهو لم يدلف إلى التفاصيل، لأن التفاصيل لا بد أن تأتي بعد أن تقر الأمم المتحدة طلب رئيس الوزراء العام..
رئيس الوزراء بعمله هذا لم يتجاوز حدود صلاحياته التي يفرضها عليها منصبه، وهو لم يطلب وصاية من أحد، وليس في الميثاق ما يبيح له أن يطلب «وصاية»، والمشاركة والمؤسسية ستعمل عملها بعد أن تقبل الأمم المتحدة المبدأ، وتبدأ التفاوض حول تفاصيله، وأول ما سيتحقق هو انتهاء وضع «اليوناميد»، وخروجنا تماماً من الفصل السابع، ودخولنا حيّز الفصل السادس، الذي نحدد نحن من خلاله ما نطلبه من عون من الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
الخطأ الذي ارتكبته رئاسة مجلس الوزراء، هو فرض طوق من السرية حول عمل لو كانت قد أحسنت تقديمه للمواطنين فإنه يُعد من إنجازاتها، بدلاً من إثارة الشكوك حوله بسبب سوء ترجمة بعض المصطلحات، وتسريبه كما لو كان سراً من الأسرار الخطيرة، التي تتكتم عليها الدولة، وقد ظللنا ننبه -دون فائدة- هذه الحكومة، إلى أنها ضعيفة التواصل مع قواعدها ومع عامة الشعب، رغم أنه لم تمر على السودان في تاريخه الحديث حكومة تتمتع بكل هذا التأييد الشعبي وحسن النوايا التي أظهرتها القواعد، لكن الحكومة ما زالت تعيش وراء أسوار السرية، بينما رصيدها من الثقة الشعبية يتآكل من يوم إلى يوم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.