الأحد 04 شعبان / 29 مارس 2020
04:52 ص بتوقيت الدوحة

«البيت المعمور والأقصى» ارتباط دائم إلى أن يرث الله الأرض

الأحد، 02 فبراير 2020
الشيخ عكرمة صبري
الشيخ عكرمة صبري
بقلم: الشيخ الدكتور عكرمة صبري *

* رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى.

ورد "البيت المعمور" مرة واحدة في القرآن الكريم، فيقول سبحانه وتعالى: "والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع"، (سورة الطور، الآيات 1 – 5)، وهو البيت الذي يقع في السماء السابعة، ويستند إليه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ويدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا يعودون إليه، ويقابله البيت الحرام في مكة المكرمة في الأرض، فالملائكة تطوف في السماء، والناس تطوف في الأرض.

أحاديث وآثار 

1 – هناك أحاديث نبوية شريفة وآثار من أقوال الصحابة والتابعين بشأن البيت المعمور، أذكر بعضًا منها: من الحديث الشريف المطوّل المعروف بحديث الإسراء والمعراج: "ثم عرج إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مستندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه". أخرجه مسلم في صحيحه، باب الإيمان رقم 411، عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه.
2 – قال عليه الصلاة والسلام: "البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة". رواه الحاكم في كتابه المستدرك ج 2 ص 468، وقال صحيح: على شرط الشيخين. وقال الذهبي: على شرطهما، أي على شرط الشيخين البخاري ومسلم أيضًا. ورواه أحمد في مسنده ج 3 ص 353 . وفي كتاب السلسلة الصحيحة للألباني رقم 477، عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه.
3 – قال صلى الله عليه وسلم "في السماء بيت يقال له: المعمور بحيال الكعبة". ذكره السيوطي في كتابه الدر المنثور ج 7 ص 621، وعزاه لابن المنذر في التفسير عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه. ومعنى "حيال الكعبة" أي فوق الكعبة في المستوى العمودي.
4 – سئل الصحابي الجليل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت الحرام في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا".
من هذه الأحاديث النبوية الشريفة والآثار تتضح العلاقة بين البيت المعمور والكعبة على النحو الآتي: تطوف الملائكة حول البيت المعمور، ويطوف الناس حول الكعبة، وقد بدأت الملائكة بالطواف حول البيت المعمور بعد هبوط آدم إلى الأرض، وهو يقع فوق الكعبة في المستوى العمودي، وتتعلق المعجزة الربانية في إقامة وبناء كل من البيت المعمور والكعبة، حيث أمر الله العلي القدير ببنائهما فلا علاقة للإنسان ببنائهما. وليس غريبًا أن يتولى الملائكة بعملية البناء، فالله يكلفهم حيث يشاء.

الكعبة والملائكة

إن الرأي الراجح لدي، والذي آخذ به وأتبناه وأدعو إليه هو: أن الكعبة المشرفة سبق أن بنتها الملائكة بأمر من الله عز وجل، وقبل نزول آدم عليه السلام إلى الأرض، والمعلوم أن الملائكة كانت تطوف حول الكعبة حتى هبوط آدم وحواء إلى الأرض. والدليل على ذلك مما يأتي:
1 – يقول الله عز وجل: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو بكل شيء عليم. وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون". (سورة البقرة، الآيتان 29 و30). فإن معظم علماء التفسير يشيرون إلى أن الملائكة كانت تتعبد وتطوف حول الكعبة في الأرض، ثم أخذت تطوف حول البيت المعمور في السماء السابعة، حين هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض، ليكون آدم خليفة الله في الأرض.
2 – يقول الله سبحانه وتعالى "إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين". (سورة آل عمران، الآية 96)، فإن الفعل "وُضع" هو فعل ماض مبني للمجهول للدلالة على أن الناس ليسوا هم الذين أقاموا المسجد الحرام. و"بكة" من أسماء مكة المكرمة، فالمسجد الحرام هو أول بيت في الأرض، قد وضعته الملائكة للناس بأمر من الله سبحانه وتعالى.

الأقصى والمسجد الحرام

إنها لعلاقة إيمانية تعبدية وثيقة بين المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، وتشير إلى ذلك نصوص شرعية، منها:
1 – يقول الله عز وجل "سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير". (سورة الإسراء، الآية 1). وكما هو معلوم بداهة إن معجزة الإسراء والمعراج من المعجزات السماوية، والمعجزات هي جزء من العقيدة، فالارتباط بين الأقصى المبارك والمسجد الحرام هو ارتباط عقدي إيماني، وليس مجرد ارتباط تعبدي.
2 – يقول رسولنا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". متفق عليه عن الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي لفظ آخر: "المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". أي لا يجوز السفر بنية التعبد إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، وإن الارتباط بين هذه المساجد واضح بنص هذا الحديث النبوي الشريف.
3 – عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجدًا. فحيثما أدركتك الصلاة فصل". رواه البخاري رقم 3366 ومسلم رقم 1161 وأحمد ج 5 ص 167، وابن ماجه رقم 753؛ ويتضح من هذا الحديث النبوي الشريف أن أول مسجد وضع في الأرض هو المسجد الحرام، وهو أمر قطعي لا جدال فيه ولا نقاش ولا اجتهاد ولا تأويل، وأن المدة بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك هي أربعون عامًا، وهذا يؤكد أن المسجد الأقصى قد بنته الملائكة أيضًا، فإن الله عز وجل قد قرر في الأزل بأن يكون في الأرض أماكن لعبادته ولتوحيده، وهي من معجزاته. وأن الملائكة يقومون بأي عمل يأمرهم به الله العلي القدير.

روايتان أخريان

هناك روايتان اثنتان أخريان بشأن بناء الكعبة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك، وهما:
1 – قيل: أن آدم عليه السلام هو أول من بنى الكعبة المشرفة والمسجد الحرام، ثم بنى المسجد الأقصى، وأقول: لا يوجد نص شرعي أو دليل على ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن قام بإعادة البناء أو الترميم بسبب مرور الزمان وعوامل الطبيعة.
2 – قيل: إن سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام هما أول من أقاما المسجد الحرام، وهذا قول غير دقيق، لأن الآية الكريمة تنص: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". (سورة البقرة، الآية 127)، فهي توضح بأن القواعد كانت موجودة حين رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام البيت الحرام.
إن الأنبياء والمرسلين جميعهم مسلمون موحدون بنص القرآن الكريم، لأنهم يدعون إلى التوحيد ويسلمون أمرهم إلى الله عز وجل، ويتلقون الوحي من مصدر واحد، هو الله رب العالمين ورب الخلائق كلها. وإننا، نحن المسلمين، نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين دون استثناء. وهناك العشرات من الآيات الكريمة التي تصرح بأن الأنبياء والمرسلين جميعهم مسلمون، منها قوله عز وجل "ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين". (سورة آل عمران، الآيتان 67 و68).
وإن المسجد الحرام بمكة المكرمة مرتبط بالبيت المعمور ارتباطا دائمًا مستمرًّا ما دامت السموات والأرض، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن المسجد الأقصى المبارك مرتبط بالمسجد الحرام ارتباط إيمان وعقيدة وعبادة؛ وعليه فإن المسجد الأقصى المبارك مرتبط بالبيت المعمور، بالإضافة إلى أن الأقصى هو بوابة الأرض إلى السماء، وفي سماء القدس شرعت الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام، وهي عمود الدين، وإن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم قد التقى بسيدنا إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، وهو مستند إلى البيت المعمور، في حادثة الإسراء والمعراج. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.