الأربعاء 02 رجب / 26 فبراير 2020
06:38 ص بتوقيت الدوحة

حمدوك في كاودا.. دلالات وملاحظات

حمدوك في كاودا.. دلالات وملاحظات
حمدوك في كاودا.. دلالات وملاحظات
يتفق الجميع أن رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك قد أحدث اختراقاً مهماً بزيارته لـ «كاودا» مقر رئاسة الحركة الشعبية في جنوب كردفان، لكن طرفي النزاع أبقيا الزيارة -على أهميتها- في حدود العلاقات العامة، رغم إمكانية توظيفها في وضع قضية السلام على المسار الصحيح.
في جانب الحركة الشعبية، أظهر قائدها عبدالعزيز الحلو تعنتاً وتشدداً غير منطقي، إذ يُعرف أن قائد الحركة المتمردة على حكومة الخرطوم، قد شارك في إدارة ولاية جنوب كردفان خلال حكم الإنقاذ السابق، ويعرف أيضاً أن الحلو قد خاض الانتخابات ممثلاً للحركة الشعبية في مواجهة مرشح حزب المؤتمر الوطني، وخسر بفارق ضئيل بعد معركة انتخابية شرسة، ثم عاد للخيار العسكري متهماً الحكومة السابقة بتزوير الانتخابات، جوهر هذا الخبر ليس في الجدال إن كانت الانتخابات مزوّرة أم نزيهة، بل جوهره هو أن الحلو قد قبل مشاركة حكومة الإنقاذ الإسلامية في السلطة ما دام احتمال فوزه في الانتخابات ظل قائماً منذ قبوله الترشح وحتى إعلان النتيجة، أي أنه لم يرفض من حيث المبدأ إدارة ولاية تحت حكومة إسلامية في الخرطوم، أبدى هذه المرونة تجاه حكومة الإنقاذ الإسلامية، ولم يبدِها لحكومة الثورة التي هي أكثر استحقاقاً للمرونة بما تحمله من أفكار ديمقراطية افتقدها نظام الإنقاذ الذي تعاون معه الحلو، اشترط الحلو النص الدستوري الصريح على علمانية الدولة، وهو شرط يكشف بجانب تعنت الحلو، يكشف أيضاً أن قائد الحركة الشعبية أسير للمصطلحات، لأن العلمانية حمّالة أوجه مثلما أن النص على إسلامية الدولة يحمل احتمالات متعددة، تتفاوت بين الفهم الطالباني إلى فهم «العدالة والتنمية» في تركيا، وما أبعد الشقة بين الاثنين، لذا لم يعُد السياسي الحصيف حريصاً على اللافتات الهلامية، بل على نصوص دستورية واضحة، فينص الدستور على الحريات والفصل بين السلطات وسيادة حكم القانون واستقلال القضاء وحماية حقوق الإنسان، عندها سوف يصف الإسلامي المستنير هذه المبادئ بأنها إسلامية، ويعتبرها العلماني علمانية، وقد يكتشف الطرفان أنهما على وفاق إلا أن أسر المصطلحات قد أعمى بصائرهما.
في مقال هذا التعنت والتشدد، اختار رئيس الوزراء طريقة الطبطبة على الأكتاف علها تلطف الأجواء، وتمهد للسلام، فوصف قائد الحركة بالمناضل، وأثنى خلال زيارته لكاودا على القيادي الراحل يوسف كوة، لكن ما لم يفطن له دكتور حمدوك هو أن هذه الطريقة العاطفية قد فشلت من قبل في وضع حل لمشكلة جنوب السودان، حين كان الساسة يصفون الجنوب دون غيره من الجهات بالجنوب الحبيب، ويصفون الجنوبيين دون غيرهم من بقية السودانيين بالإخوة، كان على رئيس الوزراء الاعتبار بتلك التجربة الفاشلة، والاستعاضة عنها بخيار المواجهة بالحقائق، حتى يعرف كل طرف حدود حقوقه ويلتزم بواجباته، كما أن في إطلاق وصف المناضل على عبدالعزيز الحلو قبل أن تلقي الحركة المسلحة أسلحتها التي تشهرها في وجه الحكومة مثلما كانت تشهرها في وجه حكومة الإنقاذ، تسرعاً قد يعرض رئيس الوزراء لحرج بالغ إذا هاجمت الحركة عاصمة الولاية أو أية مدينة أخرى أو قرية.
لم يوفق دكتور حمدوك حين لم يوظف في خطابه سلمية الثورة التي أتت به رئيساً، في التأكيد على صحة الرهان على السلام وحده، وأن المقاومة الشعبية السلمية قد أفلحت في إسقاط نظام الإنقاذ المستبد، وهو ما لم يفلح فيه العمل المسلح.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.