الأحد 28 جمادى الثانية / 23 فبراير 2020
10:50 م بتوقيت الدوحة

ثم ماذا بعد هذه التجربة القاسية؟

ثم ماذا بعد هذه التجربة القاسية؟
ثم ماذا بعد هذه التجربة القاسية؟
مرت العاصمة السودانية الخرطوم بمدنها الثلاث -الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان- بظروف عصيبة يوم الثلاثاء الماضي، بسبب الانفجارات العسكرية التي وقعت منذ ظهر الثلاثاء واستمرت -مع غياب تام للمعلومات الرسمية- حتى ساعات الليل، وقد صحب ذلك إغلاق المجال الجوي السوداني، مما أثار قلق السكان وتسيّدت الإشاعات الموقف، فمن قائل إننا نواجه انقلاباً دبره منسوبو جهاز الأمن والمخابرات، بعد أن استولوا على مقار الجهاز وأسلحته، وإنه تم بتدبير خارجي، بينما أكدت إشاعات أخرى أنه تمرد احتجاجاً على إعادة هيكلة الجهاز، ورواية ثالثة تقول إنه مجرد حركة احتجاجية بسبب خلاف مالي بين الحكومة وأفراد الجهاز، حول مقررات فوائد ما بعد الخدمة لمن قرروا إنهاء عملهم في الجهاز بعد إعادة هيكلته.
وأثارت هذه الأوضاع الرعب، خاصة وأن هذه المواقع العسكرية تقع وسط أحياء سكنية، وصحبها إطلاق نار مكثف -أحياناً من أسلحة خفيفة أو متوسطة وأحياناً من أسلحة ثقيلة- دون أن يصدر بيان يشرح للناس حقيقة ما يحدث، أو يطمئنهم..
والبيان الذي صدر فجر الأربعاء أكد على الحقائق التالية:
أن هذا التمرد حدث نتيجة لقرار صدر منذ عدة شهور بإعادة هيكلة جهاز الأمن والمخابرات، وقضى بتسريح هيئة العمليات بالجهاز، ومنح منسوبيها أربعة خيارات: أن يلتحقوا بالقوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو البقاء في جهاز المخابرات أو التسريح والحصول على مستحقات فوائد ما بعد خدمتهم، ويضيف البيان: «وتم تحديد مستحقاتهم حسب اللوائح والقوانين والنظم المالية المعمول بها، ولكنهم لم يقبلوا المبالغ التي حددت لهم، ورفضوا استلامها»، وبعد ذلك استولوا على مقارهم في كل مواقعهم بالعاصمة وبعض الولايات، وشمل ذلك في العاصمة مواقعهم في المناطق الآتية: حي الرياض - حي كافوري ومحليتي سوبا وكرري، وكلها مناطق مأهولة بالسكان، وقاموا بإطلاق الأعيرة النارية، وقفل بعض الطرق المؤدية لمقارهم، حماية لها من محاولة السلطات دخولها، وهذا هو ما أدى لترويع المواطنين، وخلق حالة من الفوضى زادت الشائعات من حدتها في غيبة المعلومات الرسمية، ولعله لو صدر من البداية بيان يشرح المشكلة ويطمئن المواطنين بأن السلطات تتخذ الخطوات المطلوبة للحفاظ على أمنهم وأمن أسرهم لأدرك الناس أبعاد الأزمة، ولما استمعوا للشائعات.
وهذه الأحداث تطرح تساؤلات عديدة عن الطريقة التي تتعامل بها السلطات مع القوى التي يمكن أن تفكر في الانقضاض على هذه الثورة، ربما كانت السلطات الأمنية لا تتشدد مع أولئك الناقمين على الثورة بحجة أنها مطمئنة لسيطرتها على الموقف، وأنها ملتزمة بحماية الثورة، وهذا وحده لا يكفي والمطلوب هو أخذ الحيطة والحذر، وقد أسقطت هذه الثورة نظاماً ظل يمسك بكل مقاليد الأمور ثلاثين عاماً، وكانت سيطرته كاملة وكان يحرس نظامه بيد من حديد، وخلق أجهزة عديدة لحمايته، وبالتالي جند أقواماً عديدين ربطوا مصيرهم بمصيره، ومنحهم النفوذ والمال والسلطة، بل وخارج مجال الحكم سهّل لهم وسائل غير شرعية لتراكم ثرواتهم، ولا غرو إن دافعوا عن مصالحهم المرتبطة بذلك النظام، وأن يصبح ذلك الدفاع مسألة حياة أو موت.
صحيح أنها ثورة من أجل توطيد حكم القانون وحماية حقوق الإنسان، ونحن لا ندعو لأخذ الناس بالشبهات، ولكن القانون له أسنان، وإذا طبق بشيء من الحزم يمكن أن يكشف كل المؤامرات.. لكن هذه الأحداث من شأنها أن تفتح عيون السلطات المسؤولة لضرورة انتهاج سياسة أكثر حسماً، سياسة تتابع كل التحركات بعيون مفتوحة وبصيرة نافذة، وفي الوقت نفسه تؤكد على العدالة والإنصاف وسيادة حكم القانون، لقد تعاملت السلطات بحكمة وصبر مع هذه الأحداث، وهذا موقف سليم، ولكن الجريمة التي وقعت هي جريمة تمرد كامل الأركان، وينبغي عدم التساهل في هذا الأمر، ولا بد من إعمال القانون الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويتيح للمتهم كامل حقوقه في الدفاع عن نفسه، لكنه في الوقت نفسه يعاقب الجاني عقاباً يتناسب مع عظم جرمه.
لتكن أحداث أمس بداية مرحلة جديدة تتجاوز التراخي والتساهل بإعمال مبادئ اتخاذ الحيطة والحذر، لحماية الوطن والمواطنين من أشكال المغامرات والمؤامرات كافة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.