الأربعاء 07 شعبان / 01 أبريل 2020
01:36 ص بتوقيت الدوحة

كاتم الصوت

سحر ناصر

الخميس، 09 يناير 2020
كاتم الصوت
كاتم الصوت
قد يتبادر إلى الأذهان أنني أتحدث هنا عن مسدس كاتم الصوت، لكنني أعني كاتم الصوت الموجود في جهاز التحكم عن بُعد، المعروف بين الناس بـ «الريموت كونترول»، وفي اللغة العربية بـ «الحاكوم».
هل جرّبت يوماً أن تستخدم خاصية كتم الصوت، وأن تتأمل البرامج الحوارية بالصورة فقط دون صوت، هذه التجربة مفيدة، مُلهمة، ومضحكة، يومياً يُعرض العديد من البرامج الحوارية السياسية على الشاشات العربية التي تستضيف غالباً الشخصيات نفسها، سواء السياسيين أم المحللين، حتى بات مشهد الإعلام العربي منفصلاً عن قضايا المجتمع والمواطن، ناقل فقط لما يتحدث به أصحاب القرار في الشؤون السياسية، ومن يدور في فلكهم من رجال الدين والمحللين الذين أصبحوا كالحاشية.
كوبٌ من اليانسون ليلاً، و»كتم الصوت»، والتأمل في وجه هذه الشخصيات، ولغة جسدهم، كفيلة بأن تعطينا مؤشراً حقيقياً على حقيقة هذه الوجوه، وتمنحنا السيطرة لإسكات شخصيات مهمة، وذلك بالضغط على «زرّ واحد»، وكتم أصواتهم.
هذه التجربة ولمدة نصف ساعة فقط، تجعلنا ندرك كمية اللغو، والكلام الذي لا قيمة له، الذي يتبادله هؤلاء.
إذا كتمت الصوت، زادت قدرة العينين على الإبصار، والتأمل، والتمعن، والتفكّر في وجوه مختلفة، مكفهرة، حائرة، ومتوترة، وأحياناً ترفع يديها وأصابعها بوجه بعضها البعض، وتحكّ أنفها كذباً مرة واثنتين وثلاثاً، ومنهم من ترى في عينيه كمّ الخوف من الشعوب، بينما في حديثه نبرة صوت واثقة، ولم تكن لتلحظ خوفه إذا التهيتَ بسماع ما يقول من عنتريات.
لا يقتصر اللغو فقط على الأغاني التي نخرنا البعض بحرامها وحلالها، بل أيضاً اللغو في السياسة وشؤون أخرى بكلام لا قيمة له ولا معنى، بحيث إنه إلى الآن لم تمنح أغلب البرامج الحوارية الفرد العربي حقّه في توفير منصة له على حساب السلطات وفي كلّ الدول، فإذا مُنح المواطن خمس دقائق، يُمنح السياسي خمس ساعات للحديث والتصريح والتراشق والتبرير، فعلياً دون جدوى، لم تنجح معظم هذه البرامج في إحداث التأثير المطلوب لبناء المجتمعات، أو دعمها أقلّه من أجل الصمود.
والدليل، ارتفاع نسبة التطرف والتحيز والتعصب الطائفي والمذهبي والعنصري، ولغة التخوين، وما إلى ذلك من مظاهر سلبية إلى حدّ إصابة أغلب الشباب العربي بحالات من الهلع والقلق والارتياب والاضطراب الذهني، وحشو العقل الباطن بكمّ هائل من المفردات والكلام الذي لا جدوى منه.
استخدام زرّ «كاتم الصوت» هو الحلّ لمن لا يملك المال والوقت الكافي أو لم تتوفر له الظروف البيئية والطبيعية للعودة إلى الطبيعة، وتطهير الأفكار من الحشو واللغو، واستبدالها بأصوات الطبيعة، ربما للتخلص من سموم الكلام الذي يتسلل إلى قلبك وعقلك ويجعلك في حالة توتر دائمة.
جرّب كتم أصواتهم.. ستُدرك أن أغلبهم مهرجون مزعجون يؤدون فقراتهم كلّ حسب راتبه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.