الأربعاء 02 رجب / 26 فبراير 2020
07:04 م بتوقيت الدوحة

العطاء ثم العطاء

لطيفة المناعي

الثلاثاء، 24 ديسمبر 2019
العطاء ثم العطاء
العطاء ثم العطاء
هذا الأسبوع هناك حكاية، تقول الحكاية: إنه كانت هناك شجرة تحبّ الصبي، وهو كذلك. كبر الصبي، وابتعد عنها، تركها وحيدة، وكان يعود عندما يريد أن يأخذ، وكانت الشجرة تعطي دائماً لأنها تحب، ثم انتهت الحكاية مع نهاية الشجرة.
هذه حكاية الشجرة المعطاء، تأليف الأميركي شِل سلفرستين، ترجمة: د. أروى خميس، صادرة عن "دار أروى"، المتخصصة في أدب الأطفال واليافعين. حكاية بسيطة في رسومها وخطوطها، بسيطة في كلماتها وعباراتها، عميقة في معناها، تلامس القلب، تتركه حزيناً ومتأثراً من قسوة الواقع. وما جعل الحكاية تصل إلى القلب الترجمة الدقيقة التي نجحت في أن تصل بك إلى فكرة الكتاب، قصة يمكن أن نصنّف الفئة العمرية لها من العمر الذي يدرك فيه الطفل المعاني والمفاهيم، وحتى نهاية العمر.
والآن، فلنعد إلى الشجرة التي كرّست حياتها للعطاء، والعطاء فقط، كما يفعل البعض منّا.. فهل العلاقات القائمة على هذا الأساس صحيحة؟ وهل يستطيع أن يفتخر من يحرق نفسه من أجل أن ينير طريق الغير؟
هل من السليم أن تقوم العلاقات على العطاء من طرف والأخذ من طرف آخر؟ وهل هي بالفعل علاقة أم هي علاقة ولكنها مريضة؟ أم قد تكون لا علاقة أو وهم علاقة؟ أم يجب أن يكون العطاء متبادلاً؟ وإذا كان الطرف الأول يعطي فهل بالتالي الطرف الثاني يكون أنانياً عندما يأخذ فقط؟
كل تلك أسئلة وقناعات ترسّخت في عقلياتنا يجب أن نعيد التفكير فيها، ويجب ألّا نمجّد من كرّس حياته للعطاء وتشجيع الجميع على استغلاله؛ فهذا الشخص يعيش الوهم بالتأكيد. فأي علاقة لها طرفان، وهذان الطرفان يكملان بعضهما البعض، فلا يوجد علاقة في طرف يعمل على إنجاحها والثاني يقيّم جودة عمل ومجهود الطرف الأول. والعلاقة الصحيحة هي من لا تحرق طرفاً من أجل الآخر، وترهق طرفاً من أجل أن يعيش الطرف الآخر.
كما يجب ألا ننسى أن هناك مفاهيم نعتقد أنها قمة الرقي ونبل الأخلاق، وفي الواقع هي عكس ذلك، ومنها -كما ذكرت- الشمعة التي تحترق لكي تنير الدرب للآخرين، أو الأم التي تفني حياتها من أجل الأبناء، أو الشخص الذي برمجه الاستغلاليون على أن العطاء دون انتظار مقابل هو دليل نبل وزهد.
ولهؤلاء أقول: إذا أعطيت باستمرار، فالطرف الثاني سوف يصل إلى قناعة أنها واجب عليك وليس تفضّلاً، وفي اليوم الذي تفقد فيه شجرتك كل شيء ولا يعود لديك ما تعطيه، لن تجد من يتفهّمك، بل ستجد من يلومك؛ لذلك لا تعطِ إلا من يستحق، ومن يكون متواجداً عندما تحتاجه، ومن يكمل نقصك وحاجتك بعطائه.. هذا بالضبط هو ما تقوم به أنت أيضاً.
أخيراً: هذه القصة عميقة، وتستحق التأمل، وأيضاً الاقتناء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

لكل حكاية وجهان

18 فبراير 2020

رسالة إلى زميلتي الأم

11 فبراير 2020

عندما يكتمل القلب

04 فبراير 2020

رسالة إلى معرض الكتاب

21 يناير 2020

الكتابة عن الكتابة

14 يناير 2020

ماكس والجاغور

31 ديسمبر 2019