الثلاثاء 23 جمادى الثانية / 18 فبراير 2020
03:52 ص بتوقيت الدوحة

ما زال في الوقت متسع لإصلاح مسار مفاوضات السلام

ما زال في الوقت متسع لإصلاح مسار مفاوضات السلام
ما زال في الوقت متسع لإصلاح مسار مفاوضات السلام
رغم النشاط الذي تقوم به الحكومة وحملة السلاح في مجال السلام، والاجتماعات المتواصلة بينهما على مدى الشهور الثلاثة الماضية، فإننا لا نستطيع أن نقول إن مفاوضات السلام في السودان قد بدأت بين الجانبين، لأن المحادثات التي دارت بينهما كانت وما زالت ذات طبيعة تمهيدية غاية ما تصبو إليه هو تهيئة الأجواء المناسبة لبدء المحادثات حول القضايا الموضوعية والأسباب الجذرية التي دفعت بعض المواطنين لأن يحملوا السلاح ضد حكومتهم، وأن يشنّوا الحرب ضد دولتهم، وهي أسباب لا بد أن تكون -بالضرورة- قوية وضاغطة لدرجة تجعلهم يلجأون للسلاح مستعدين للتضحية بحياتهم في سبيل تحقيق مطالبهم.
الاتفاقات التي تم التوصل إليها في محادثات جوبا التي امتدت على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، وتم تمديد مداها الزمني لتحكم الأشهر الثلاثة المقبلة كلها ذات طبيعة تمهيدية تهدف لتهيئة الأجواء للتفاوض، ولا تتطرق للقضايا الموضوعية التي ستكون هدف التفاوض، والتي من شأنها -متى ما حسمت- أن تؤسس لسلام دائم ومستقر، والسبب في تأخير بدء التفاوض لهفة مجلس السيادة لينخرط في التفاوض دون أن يكمل استعداداته لهذه المرحلة، ظناً منه أن سقوط النظام السابق سيؤدي إلى وفاق وطني بسرعة استناداً إلى أن بعض حملة السلاح وقّعوا مواثيق الثورة، وكانوا جزءاً من الحراك الثوري حتى وإن كان ذلك عبر التعاطف الوجداني..
لكن الحكومة الحالية هي الطرف الأقل خبرة بالمفاوضات، بينما قادة الحركات المسلحة ظلوا على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً يفاوضون ويحاورون الحكومة السابقة حول القضايا نفسها في شتى العواصم العالمية من أديس أبابا إلى نيروبي إلى أبوجا إلى الدوحة، بل وإلى بعض العواصم الأوروبية، هذا هو السبب الذي نصّت من أجله الوثيقة الدستورية على تشكيل مفوضية للسلام، إذ كان الهدف منها أن تضم كفاءات وقدرات تفاوضية عالية الخبرة والتجربة في هذا المجال، بل وخبراء في شؤون الاقتصاد والإدارة والاستراتيجية، ليساعدوا طرفي التفاوض عبر مدهم بالمعلومات والإحصاءات والقواعد والأسس القانونية والدستورية المطلوبة لتحديد العلاقات الداخلية في الدولة وإداراتها وإشراك المواطنين في صناعة القرار، مما كان من شأنه أن يوفر الأرض الصلبة التي يقوم عليها السلام، وتحدد وفقاً لذلك مؤسسات الحكم التي تتيح أكبر قدر من مشاركة المواطنين، وتقضي على أسباب التمييز والتهميش، وتحترم التنوع الثقافي واللغوي والديني والإثني الذي يزخر به السودان.
ولكن وبسبب العجلة غير المبررة، تكوّن وفد المفاوضات من مجلسي السيادة والوزراء، ومن شخصيات لا تملك قدرات وخبرات تفاوضية ثرة ولا يسندها جهاز متخصص ولم تنشأ المفوضية التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، واكتفوا برئيس لها عيّنوه في اللحظة الأخيرة، دون تحديد صلاحيات مؤسسته أو تعيين أعضائها، وبالتالي دون تحديد لمهام الرئيس، ولما لم يجدوا له توصيفاً وظيفياً كلفوه بأن يتولى منصب مقرر المجلس الأعلى للسلام، الذي ابتدعوه في اللحظة الأخيرة دون أن يستند على أي نصّ دستوري او استراتيجية للتفاوض يسير على هديها.
خير ما يفعله مجلس السيادة هو أن يعيد النظر في الوضع المؤسسي لمفاوضات السلام، ويكمل الصورة المؤسسية بأن يعلن قانون المفوضية ويعين أعضاءها ويلحق بها لجنة فنية من الخبراء الدستوريين والقانونيين والاقتصاديين والسياسيين، بحيث تكون مستودعاً للخبرة «Think Tank» تمد الطرفين بالحقائق والمعلومات والمشورة الفنية وتستعين بمفاوضين متمرسين في فن التفاوض.
ما زال هناك متسع من الوقت لإصلاح مسار محادثات السلام، وما زال الأمل معقوداً في أن تتجاوب جميع الأطراف مع الفرصة الذهبية التي أتاحها لنا نجاح الحراك الثوري، وإسقاط النظام البائد الذي كان يشكل عقبة في سبيل الوحدة الوطنية القائمة على المساواة الكاملة بين المواطنين كافة، وعلى احترام التنوع بمحاربة كل أشكال التمييز، حتى يصبح الجميع مواطنين أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، ومشاركين في إدارة الشأن العام في وطن يسع الجميع!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.