الإثنين 24 جمادى الأولى / 20 يناير 2020
06:19 ص بتوقيت الدوحة

هذه ليست توقعات.. إنها مجرد مطالب أولية!!

هذه ليست توقعات.. إنها مجرد مطالب أولية!!
هذه ليست توقعات.. إنها مجرد مطالب أولية!!
استمعت باهتمام كبير لخطاب رئيس الوزراء السوداني، الذي افتتح به ورشة عرض برنامج وأولويات مشروعات الفترة الانتقالية، والذي حدثنا رئيس الوزراء أنها توصيات تم التوصل إليها بعد مناقشات ودراسات امتدت عبر شهور، وانخرط فيها عدد كبير من المساهمين بالرأي والفكر والدراسة، وتم تقديمها للحكومة في وقت مناسب، لأنه أتاح لها الفرصة لأن تساهم في مقترحات ميزانية العام المقبل التي هي قيد الإعداد الآن.
مبعث اهتمامي بالاستماع للخطاب أنه يأتي في وقت بدأت فيه الجماهير تتململ مما حسبته تباطؤاً من جانب الحكومة في التعامل مع برامج الثورة وتطلعات الثوار، وضعف التواصل بين قادة الحكومة وقواعد الثوار الذين يتطلعون إلى سرعة في التنفيذ، تنسجم مع قوة اندفاع الثورة والثوار.
التوصيات والأولويات التي قدم لها رئيس الوزراء وضعت في مقدمتها عشرة مشروعات اعتبرتها هي التوصية بالغة الأهمية في ترجمة أهداف الثورة وتحقيق شعارها المتمثل في الحرية والسلام والعدالة، ويأتي في مقدمة هذه التوصيات العشر: وقف الحرب وبناء السلام - معالجة الأزمة الاقتصادية وتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة - محاربة الفساد - إشاعة الحرية ورعاية حقوق الإنسان وتعزيز حقوق المرأة - إعادة هيكلة وإصلاح أجهزة الدولة - اعتماد سياسة خارجية فاعلة ومتوازنة - منح الأولوية للبنى التحتية وخدمات التعليم والصحة - إنجاز مهام التحول الديمقراطي الذي يصل ذروته بكتابة الدستور الدائم وإجراء الانتخابات كنقطة النهاية للمرحلة الانتقالية.
لن يختلف الناس مع الحكومة في أن هذه هي الأولويات واجبة النفاذ خلال الفترة الانتقالية التي تبقى منها أقل قليلاً من ثلاث سنوات، وبعضها يشكل أهمية قصوى وأكثر استعجالاً، وبعضها الآخر لا بد أن تسبقه دراسات وتخطيط وإعداد، وبعضها يمكن أن يبدأ خلال الفترة الانتقالية ويتواصل طوال سنواتها، بل ويستمر العمل فيه إلى ما بعد الفترة الانتقالية، ولا بأس في ذلك، فهي كلها قضايا يفترض توفرها في أي حكم راشد، والحكم لن يستقر إلا إذا انتهى مسلسل الحروب الأهلية، وتوفر السلام الدائم القائم على العدل والإنصاف، وخرج السودان من الأزمة الاقتصادية، وتحرك جامد الاقتصاد إنتاجاً وتوزيعاً، وتحققت الكفاية في الإنتاج والإنصاف في التوزيع.
ومع اتفاقنا مع رئيس الوزراء في كل ما قال في هذا الإطار، ومع تذكيرنا في خطابه بأن التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو إنجاز الانتقال الديمقراطي، وما يثيره من قضايا وفي مقدمتها «إدارة التوقعات» والتوقعات بعد نجاح الثورة تتصاعد بطريقة غير مسبوقة، ولذلك يدعو رئيس الوزراء إلى إدارة تلك التوقعات بجهد مشترك بين الحكومة والشعب، دون أن يخوض في التفاصيل أو يطرح آليات لهذا العمل المشترك.
الثورة -أي ثورة- لها جذور عميقة تراكمت خلال زمان طويل، ولها «مفجّرات» ووقائع آنية تقدح زناد المظالم المتراكمة، وثورتنا الحالية تحمل هذه المواصفات نفسها: مظالم متراكمة ومواجهات سابقة كانت هي الخلفية، وأزمات اقتصادية طارئة أشعلت فتيل الغضب، وإذا جاز أن نطالب الناس بالتريّث أو عدم استعجال معالجة الأسباب المتراكمة، فلا يجوز أن نتوقع منهم أن يسكتوا عن الفشل في التصدي للأزمة الطارئة التي أشعلت فتيل الغضب، ونحن نلاحظ أن القطاع الاقتصادي يركز جهوده في المعالجات الاقتصادية بعيدة المدى، ولا بأس في ذلك، شريطة أن يصاحبها عمل عاجل وسريع يعالج الأزمة الطارئة المتمثلة في الغلاء الذي أحال حياة الناس إلى جحيم، وفي الانخفاض المتواصل في قيمة العملة الوطنية، وما يتبع ذلك من تضخم وانفلات السوق، وما يحسّه المواطن من أن الحكومة تخلت تماماً عن واجبها في حمايته من قوى السوق الشرسة، إنه يريد اليوم وليس غداً، عملاً حكومياً يحقق شيئاً من الاستقرار للعملة، ويتوقع منها مضاعفة الجهد مع الدول الصديقة لتساعدها على المدى القصير في تجسير فجوة النقد الأجنبي، حتى تنجح مجهودات الحكومة في زيادة عائدات السودان من النقد الأجنبي، هذه ليست توقعات جامحة ولا طموحة، إنها مجرد مطالب حياتية يومية، ولكن المواطن يرى أن المسؤولين عن القطاع الاقتصادي ينظرون إلى الأفق البعيد دون أن يحسبوا حساباً للشعب الذي يعاني يومياً، والذي يزداد حصار الغلاء له كل صباح.
الآن الناس لا يحلمون بتوقعات طموحة، إنما يتطلعون فقط لتحقيق مطالب أولية، فمتى تستجيب لهم الحكومة؟؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.