الخميس 14 ربيع الثاني / 12 ديسمبر 2019
01:49 ص بتوقيت الدوحة

عن بلفور «وعده» و«مفارقته»

عن بلفور «وعده» و«مفارقته»
عن بلفور «وعده» و«مفارقته»
قبل يومين، دخل وعد بلفور عامه الثاني بعد المئة. بلفور؛ هذا الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل روتشيلد، يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
الإعلان المكوّن من 123 كلمة كان كفيلاً بتغيير جغرافية وتاريخ منطقة بأكملها، واقتلاع شعب من أرضه، وسبباً في نكبة مستمرة لشعب ما زالت ماثلة على الأرض بأشكال شتى من الألم والمعاناة والتشرّد.
ثمة مفارقتان هنا، الأولى أن مصدّر وعد بلفور لم يجهل حقيقة أن الفلسطينيين العرب لم يكونوا يوماً أجانب مستعمرين في فلسطين؛ فلم يجتمع العرب واليهود يوماً في فلسطين كشعبين مختلفين، أو كدينين متصارعين قبل المؤامرة الصهيونية الاستعمارية الممتدة في فترة الأعوام 1917-1948. كانت فلسطين وقتها بلداً عربياً، يقطنه شعب عربي أصيل، وتعيش فيه أقلية ضئيلة تدين بالديانة اليهودية. وحكمته بريطانيا، كدولة منتدبة من عصبة الأمم. والمفارقة الثانية أن السيد «بلفور» لم يكن يعلم شيئاً عن فلسطين، ولم يكن قد رأى المكان في السابق؛ إذ زار بلفور فلسطين لمرة واحدة بعد الوعد بحوالي ثماني سنوات ليبقى اسمه من الكلمات الأكثر تداولاً في القاموس السياسي الشعبي الفلسطيني الذي ما زال مسكوناً بكلمة «بلفور» المشؤومة بصفته حدثاً مؤسساً في الذاكرة الفلسطينية، كيف لا وهو -أي الشعب الفلسطيني- ما زال يدفع ثمن هذا الوعد من دمه وحريته ووجوده؟!
إذن نحن نستذكر هنا جريمة مكتملة العناصر، بحيث لا يعجز فيها الادعاء في حال انعقاد أية محكمة على إدانة بريطانيا على فعلتها النكراء بحق الشعب الفلسطيني؛ فهي وقعت على رؤوس الأشهاد ودون مواربة وبشكل مباشر فجّ، وفعلها من لا يخشى العقاب، وفي هذا تفسير للخلفية الاستعمارية الاستعلائية الغربية والبريطانية جزء رئيسي منها في التعامل مع شعوب الأرض.
إن ذكرى وعد بلفور يا رعاكم الله قد تكون مناسبة لنقد الذات وللتأمل في كل أخطاء الماضي التي أسهمت في أن تصل الأوضاع إلى ما وصلت إليه. والفلسطينيون قبل غيرهم يحتاجون إلى وقفة كهذه، وإلى إدراك أنهم في أمسّ الحاجة إلى توحيد صفوفهم وتحديد أهدافهم.
قد يقول قائل إن وعد بلفور كان له مناخاته وأرضياته التي لم يحسن العرب فيها التعامل مع المتغيّرات الدولية التي حدثت ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كان هذا الادعاء صحيحاً، إلا أنه وكما الحال قديماً لحال النظام العربي نراه الآن بالأخطاء نفسها والممارسات نفسها وبوجوه مختلفة. فالحال العربي يزداد وهناً على وهن، ولم تعد لدى أي كاتب يعيد استذكار هذه الذكرى الأليمة، الطاقة النفسية والمعنوية وحتى الأخلاقية في الحديث بشأنها.
وأخيراً، لا شيء في جعبتي بهذا المقام سوى الرهان على الأجيال الفلسطينية الشابة والناشئة، وعلى الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني الذي يتمسك بحقه في الرجوع لأرضه ويؤكد بأن فلسطين ما زالت في هذا الوقت البائس هي بوصلة أحرار العالم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

على أية حال!

18 نوفمبر 2019

العلاج بالمعنى

11 نوفمبر 2019

فلسفة العطاء

28 أكتوبر 2019