السبت 22 جمادى الأولى / 18 يناير 2020
03:58 ص بتوقيت الدوحة

الاستعجال والاستسهال في سيناريو تحقيق السلام!!

الاستعجال والاستسهال في سيناريو تحقيق السلام!!
الاستعجال والاستسهال في سيناريو تحقيق السلام!!
كل الاجتماعات التي انعقدت حتى الآن في مجال تحقيق السلام في السودان، لا تعدو أن تكون اجتماعات تمهيدية، أدت إلى اتفاقات لتهيئة المناخ للتفاوض، مثل التأكيد على وقف إطلاق النار المطبق عملياً منذ أكثر من عامين، أو فتح مسارات العمل الإنساني، والعمل على حشد دعم الشركاء الإقليميين والدوليين، أما المفاوضات الحقيقية حول القضايا الموضوعية العالقة، وهذا هو الجزء الأساسي في مفاوضات السلام، فلم تبدأ بعد، وموعدنا مع بداياته سيكون في العشرين من هذا الشهر، حينما تبدأ الجولة الثالثة، هذا يعني أننا قد أمضينا شهرين ونحن لا نزال في مرحلة تمهيد الميدان للتفاوض، مما يعني أن تحديد فترة 6 أشهر موعداً لإكمال المفاوضات ينطوي على استعجال وتفاؤل غير مبرر، لقد قلنا من قبل ونكرر اليوم، إنه ليس من المصلحة استسهال عملية التفاوض وإشاعة قدر من التفاؤل الذي يوحي بأن الأطراف ستتفق على كل شيء لحظة أن تجلس على مائدة التفاوض، تجاربنا السابقة ومعرفتنا بتعقيد كثير من القضايا المثارة، يجعلنا ننبه إلى أن كثيراً من التفاصيل سيثير كثيراً من شياطين الخلافات الكامنة، مما يتطلب صبراً ومعالجات مطولة وحوارات معمقة، ولو كان الأمر بهذه البساطة التي يدعيها كثيرون لما استمرت هذه الحروب كل هذا العدد من السنين، وخلقت كل هذا العدد المهول من الضحايا.
وكنا نعتقد وما زلنا، أن أهم عمل تمهيدي تحتاجه هذه المفاوضات هو توحيد موقف الحركات المسلحة، بحيث توافق جميعها على الدخول في المفاوضات المشتركة، الآن لدينا 3 كيانات مسلحة كل منها يتخذ موقفه الخاص من التفاوض، فهناك الجبهة الثورية التي تشكل تحالفاً يضم 3 حركات مسلحة هي الحركة الشعبية شمال «جناح مالك عقار»، والعدل والمساواة، وحركة التحرير «مني أركوي»، وهناك الحركة الشعبية شمال «الحلو»، وكلتا هاتين المجموعتين موجودة في جوبا، ولكن كلاً منهما يفاوض الحكومة منفرداً، وهناك كيان ثالث يحمل السلاح ويرفض الحوار جملة وتفصيلاً، حركة التحرير «عبدالواحد»، كنت وما زلت أعتقد أن أي وقت نصرفه في محاولات لتوحيد صفهم التفاوضي، هو أهم عمل تمهيدي لتحقيق السلام، ولقد اعتبرنا لقاء رئيس الوزراء بعبدالواحد في باريس بوساطة فرنسية، مدخلاً مهماً ونجاحاً كبيراً رغم ردود الفعل السلبية من جانب عبدالواحد، باعتبار أن هذا هو أول لقاء بين قوى الثورة وعبدالواحد، وقد كان مشجعاً أن نسمع من عبدالواحد ثناء عاطراً على موقف حمدوك، وما دار بينهما من مناقشات، وكنا نطمح ألا يستعجل الناس التفاوض، وأن يعطوا فرصة ثانية وثالثة للقاء مع عبدالواحد، علّ ذلك يؤدي إلى اختراق مطلوب، وفي الوقت نفسه، كنا نتطلع إلى مزيد من الحوار مع الحلو، فالرجل أبدى حصافة سياسية كبيرة، وقدم مبادرات جيدة عند حواره منفرداً مع الوفد الحكومي، ولو كنا أدرنا معه مزيداً من الحوار ربما كنا اقتربنا من الحصول على تأييد لاقتراح توحيد منبر الحوار.
إن الذي يدور في جوبا الآن -على أحسن الفروض- هو حوار جزئي مع كيانين من أصل ثلاث كيانات حاملة للسلاح، وحتى لو حققنا اختراقاً في جوبا فلن يكون السلام الذي يتحقق شاملاً بل سيكون جزئياً.
بل وحتى داخل جوبا، سيكون هناك منبران للسلام، منبر الجبهة الثورية ومنبر الحلو، وإذا تم الاتفاق مع أحدهما، وتعذر الاتفاق مع الاَخر، كان الحل جزئياً لا ينهي الصراع العسكري في السودان.
إن الاحتمال الأكبر أن الخلافات ستبدأ تطل برأسها في جولة المفاوضات المقبلة، عندما تنتقل لبحث التفاصيل في أي من المسارات الثلاثة: المسار السياسي - المسار الإنساني - المسار الأمني، ويومها سيتضح أن الاندفاع غير المؤسّس نحو مائدة التفاوض خلق من المشكلات لقضية السلام أكثر مما حقق من حلول!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.