الثلاثاء 12 ربيع الثاني / 10 ديسمبر 2019
08:42 ص بتوقيت الدوحة

وإنه لرهان خاسر!!

وإنه لرهان خاسر!!
وإنه لرهان خاسر!!
الذين يراهنون على انتخابات مبكرة تعيدهم إلى السلطة في السودان، عليهم أن يعيدوا النظر في حساباتهم، مستصحبين التجربة التونسية الأخيرة والمشهد الانتخابي الملتبس في ذلك البلد، وفشل الأحزاب التونسية التاريخية في الحصول على نسبة تكافئ ماضيها الانتخابي، فحزب النهضة الذي يدعي شعبية تكاد تضمن له الأغلبية المطلقة في أي انتخابات، احتل المكان الثالث في الانتخابات الرئاسية .. أما بالنسبة لمقاعد البرلمان، فقد كان كسبهم أقل من ربع المقاعد، بينما توزعت باقي المقاعد على عدد غير مسبوق من الأحزاب الصغيرة والجديدة، يتقدمها حزب تشكل حديثاً واحتل المكان الثاني، إذ نال 38 مقعداً مقابل 53 لحزب النهضة بتاريخه العريق.
قراءة هذا الواقع تؤشر إلى ما أصاب الولاءات القديمة من اهتراء في بلاد الربيع العربي، وظهور قوى جديدة وولاءات جديدة ورفض للماضي بكل إخفاقاته، وهذا الشعور يحسّ به أهل السودان مضاعفاً من خلال ثورتهم الأخيرة المجيدة، التي قادها شباب هبّوا هذه الهبة الفريدة، وأراقوا هذه الدماء الغالية، وهم إذ ينخرطون في نضالهم المظفر كانت أبصارهم ترنو إلى أفق جديد وسودان جديد، لا تكبله ولاءات بالية ولا تحاصره مشروعات فكرية قاصرة، بل تتصاعد رؤاهم نحو وطن تتوحد كل مكوناته مع تنوعها العرقي والقبلي والعقائدي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، في هوية سودانية واحدة جامعة، وتوظف هذا الشعور لبناء دولة القانون والعدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان والتبادل السلمي للسلطة، عبر انتخابات حرة ونزيهة تجري بعد أن يهيأ لها الميدان، وتزال كل العقبات التي تعترض سبيل نزاهة الانتخابات، خلال فترة انتقالية مكرّسة لهذا الجهد، وحكومة تحظى بقبول القوى الحية كافة التي صنعت هذا الواقع الثوري.
لقد كانت الحكمة في إطالة أمد المرحلة الانتقالية إلى أكثر من 3 سنوات هي بالضبط الإصرار على عدم ابتسار تلك المرحلة والقفز إلى الانتخاب دون كامل الإعداد، تحسبا لتجربة تشابه في نتائجها التجربة التونسية الأخيرة، والذين يسعون بين الناس حاليا بالتخذيل لهذه الحكومة والتكهن بسقوطها، هم الذين يمنّون أنفسهم بالعودة لحكم السودان عبر انتخابات «مكلفتة» وسلام مبتسر، ولو حدث ذلك وتحقق ما يصبون إليه، فإن الانتقال الحقيقي يكون قد أُجهض، والثورة تكون قد انتهت وأعلنت استسلامها، وبدأنا رحلة العودة إلى الوراء إلى المربع الأول، ولكن ذلك أمر لن يسمح به شباب الثورة. القضية ليست قضية حكومة تبقى أو تذهب، ولكنها قضية ثورة، هل تستمر حتى تتحقق كامل أهدافها أم لا تستمر؟ والذين يسعون لإسقاط الحكومة أو يتكهنون بسقوطها لا يريدون للثورة أن تستمر ولا لأهدافها أن تتحقق، ولذلك فإن أطروحاتهم تقابل بالامتعاض والاستهجان، لأن الناس يقرؤون ما وراء التصريحات ويعرفون مدلولها وأهدافها ويتحسبون لكل ذلك.
الحكومة الحالية ليست معصومة من الخطأ، وليست محصنة ضد النقد ولا ضد التصويب والتقويم، بل وليس هناك ما يمنع تعديلها وتبديلها، ولكن التصويب والتقويم والتعديل شيء والتخذيل شيء آخر تماماً، وللأسف فإن «التخذيل» يبدو واضحاً وراء ما نرى من محاولات للنيل من الحكومة الحالية، بل والهدف من التخذيل يبدو أكثر وضوحاً عندما يصل درجة التكهن بالسقوط، وتجربتنا مع هذه الممارسات في السابق كانت دائماً هي المقدمة للإطاحة بالحكومة، وهو ما جربته الجبهة القومية الإسلامية مع آخر حكومة ديموقراطية نهاية ثمانينيات القرن الماضي. القوى التي قادت الحراك الثوري والقوى التي التفت حولها وتحالفت معها، مطلوب منها أن تستصحب هذه الحقائق، وأن تعي تماماً الفرق الكبير بين مجهودات التقويم والتصويب، وبين المناورات الهادفة إلى الإنهاء المبكر للفترة الانتقالية، التي تتخذ من دعاوى فشل الحكومة مدخلاً لإنهاء الفترة الانتقالية، ومن عجب أن بعض دعاة هذا التعجيل ينطلقون من تقدير خاطئ مؤداه أنهم في أي انتخابات متعجلة سيكونون الكاسبين، ومن أسف أنهم سيدركون الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان إذا قدر لمخططهم هذا النجاح، فأي انتخابات تحت هذه الأجواء لن تسفر إلا عن مشهد سياسي يؤطر للتشظي، وحدّة وتنوع الانقسامات عبر أحزاب صغيرة متعددة، ومؤسسات سياسية قاصرة ترسم صورة كالحة لتفكك الدولة وتشرذمها، فهلا اتعظوا من تجاربنا وتجارب الآخرين؟!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.