الثلاثاء 12 ربيع الثاني / 10 ديسمبر 2019
09:18 ص بتوقيت الدوحة

ضرورة التحضير الجيد لمفاوضات السلام السودانية

ضرورة التحضير الجيد لمفاوضات السلام السودانية
ضرورة التحضير الجيد لمفاوضات السلام السودانية
صناعة السلام واستدامته في أي بلد هي قضية مجتمعية، لا بد أن ينخرط فيها المجتمع بأسره حتى يتوصل إلى جذور الأزمات التي أنتجت الحرب الأهلية..
المطلوب الآن إذاً، أن تحدد الحكومة استراتيجية السلام الشامل أولاً، ثم تحدد آليات تنفيذ تلك الاستراتيجية ومرتكزاتها الأساسية، مستفيدة من تجاربنا السابقة وخبراتنا المتراكمة عبر السنين.. الاستراتيجية المطلوبة تقوم على اعتبار السلام ملفاً سياسياً اقتصادياً اجتماعياً وثقافياً، وليس عسكرياً أمنياً وحسب، وبالتالي يصبح السلام هماً مشتركاً بين كل القوى الحية في المجتمع، وثانياً تؤكد الاستراتيجية أن عملية السلام تستهدف إزالة الأسباب الجذرية التي أدت إلى التمييز بين مواطنين ومواطنين آخرين، وثالثاً ينبغي أن تتعامل الاستراتيجية مع مشروع السلام ليس باعتباره نشاطاً آنياً فقط، بل هو عملية مستمرة قابلة للتحسين والتطوير بصفة مستمرة، وتؤكد على مبدأ «الوحدة في التنوع». ولكي نصل هذه المرحلة، لا بد أن تكون محادثات السلام شاملة أفقياً، بمعنى أن تشترك فيها كل المجتمعات على امتداد الرقعة الجغرافية للوطن، ورأسياً بمعنى أن تطال المفاوضات كل القضايا والمظالم التي يطرحها جميع المواطنين، ضماناً لشمولية الحل، وبالتالي نضمن ألا تتحول معالجات السلام إلى «محاصصة» في المناصب الدستورية بين الصفوة، بل تنداح لتشرك القواعد في الشأن العام، وتمكّنها من أن تمارس القدر المطلوب من الحكم الذاتي المحلي، في الوقت الذي تشركها فيه في صناعة القرار الوطني، هذا هو الذي يوطّد الولاء للهوية السودانية الجامعة، مع الحرص على تحديد استراتيجية السلام لا بد من التأكيد على وجود الإرادة السياسية لاتخاذ القرارات الصعبة ما دامت تخدم قضية السلام، فكثير من محاولاتنا السابقة لإحلال السلام باءت بالفشل لانعدام الإرادة السياسية وغياب الرؤية الوطنية الرشيدة. وإذا حددت الحكومة بوضوح استراتيجيتها للسلام لا بد من الاهتمام بآليات تنفيذ الاستراتيجية وفي مقدمتها «مفوضية السلام» المنوط بها إدارة مفاوضات السلام، وفي البداية لا بد من التحذير من استسهال المحادثات المقبلة باعتبار أنها محادثات بين حلفاء نضال نشأ بينهم تحالف أثناء الصراع ضد النظام البائد، نعم إنهم شركاء نضال ولا عداء سياسياً بينهم.. فليدخل الجميع المحادثات بكامل الاستعداد، وقد يسهل الأمر نوعاً ما أن يأتي تشكيل المفوضية ملبياً لمتطلبات الآلية التي تشكل الحاضنة لاستراتيجية السلام، والجهة المستقلة والمحايدة والمؤهلة علمياً وفنياً لكي تقدم المشورة والنصح للمتفاوضين من الجانبين، وأن تحرص الحكومة وحملة السلاح على اختيار المفاوضين المتمرسين القادرين على إدارة الحوار المنتج، وأن تتوفر للمفوضية سكرتارية فنية عالية الكفاءة، ورغم تحفظي على تكليف مجلس السيادة منفرداً بتولي أمر المفوضية، وإحساسي أن ذلك مؤشر على خلل مفاهيمي إذ اعتبر قضية السلام قضية عسكرية دون التنبه إلى جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، رغم ذلك أقترح أن تتألف لجنة مشتركة من مجلس الوزراء ومجلس السيادة لتشرف على المفاوضات دون أن تتدخل إلا حين تطلب منها المفوضية أو أطراف التفاوض التدخل لمعالجة بعض العثرات. هذه الرؤية تقود بالضرورة إلى تقديم النصح لمجلس السيادة، أن تتوفر للمفوضية التي يعينها الشروط الآتية:
1. الاستقلالية والحياد والمقبولية لدى الأطراف كافة.
2. أن تتولى عملية تسهيل المفاوضات ودفعها للأمام من موقع محايد.
3. أن يكون فيها قسم قانوني مقتدر، لصياغة ما يتم التوافق عليه بصورة احترافية واضحة ومحددة، حتى لا يثور جدل حول التفسيرات المتناقضة.
4. أن يكون فيها سكرتارية فنية متخصصة تضم شتى التخصصات «علوم سياسية - اقتصاد - اجتماع - تاريخ - إدارة - إلخ...» حتى تتوفر لأطراف التفاوض كل مساعدة يحتاجونها في هذه الجوانب.
5. أن يكون هناك قسم إداري قادر على إنجاز كل متطلبات الاستراتيجية من العمل وإدارة الجلسات وإعداد الوثائق بالسرعة المطلوبة، وأن يتم اختيار مفاوضين متمرسين وذوي خبرة.
6. تقوية العلاقات بالمؤسسات الإقليمية والدولية المعنية بالأمر والراغبة في تقديم العون الأدبي والمادي لمشروع السلام والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة له.
7. أن يشكل مجلس الوزراء ومجلس السيادة لجنة مشتركة منهما، تكون حلقة الوصل ومسؤولة عن التواصل اللصيق مع المفوضية، لمعالجة أي صعوبات تنشأ أثناء عملية التفاوض، وألا يحدث تدخل مباشر من المجلس في أعمال المفوضية، مما يؤدي إلى اضطراب العمل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.