الثلاثاء 21 ربيع الأول / 19 نوفمبر 2019
08:16 ص بتوقيت الدوحة

قبل أن يتسع الخرق على الراقع

قبل أن يتسع الخرق على الراقع
قبل أن يتسع الخرق على الراقع
الحكومة القائمة على الأمر في السودان اليوم «حكومة ثورة»، رئيس وزرائها أجمعت على اختياره قوى الثورة ووقفت وراءه داعمة ومناصرة، ووزراء تلك الحكومة تم اختيارهم جميعاً إما من قوائم أعدّها الثوار، أو أسماء زكّاها رئيس الوزراء وأمّن عليها الثوار، والوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية كتبها الثوار وأجيزت واعتمدت، ولذلك فهي حكومة تحظى بمساندة ودعم الأغلبية الثائرة التي أطاحت بالنظام البائد، والحكومة تعيش هذه الأيام مرحلة «شهر العسل» مع تلك القوى، ولذلك ينبغي على هذه الحكومة أن تتذكر أن «شهر العسل» له نهاية، وستأتي نهايته سريعاً، إن لم تتحسب له الحكومة بأعمال عاجلة تلبي طموحات الجماهير، التي منحت الحكومة سندها بلا تردد.
والحكومة لم تكتفِ بالسند الجماهيري غير المسبوق الذي أتاحته لها الثورة، بل سعت -بنجاح- في استقطاب دعم إقليمي ودولي عبر حراك عالمي مشهود وخطاب موزون مكّن السودان من أن يطل بوجه جديد على العالم عبر منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، والاجتماعات الثنائية الجانبية التي تمت في أروقة الأمم المتحدة أو عبر الزيارات لأقطار أخرى.
وكل ذلك يدعم شعبية وشرعية هذه الحكومة، ولكنه لن يعفيها من الحساب على الإنجازات، وقد يرى كثيرون في جانب الإنجازات تباطؤاً غير مبرر وتراخياً عن اتخاذ القرارات الناجزة، خاصة وأن الثورة بطبيعتها ترفع مستوى التوقعات لدى الجماهير، فإذا تأخر الإنجاز ارتفعت حدة التوتر التي تهدد شهر العسل بخاتمة غير سعيدة.
الحكومة عليها أن تتذكر أنه كان من أهم نقاط القوة التي حظيت بها هذه الثورة، أن اتصالها بالجماهير كان مباشراً وقوياً ومستمراً، حتى اقتنعت الجماهير بأنها جزء أصيل من صناعة القرار، ولذلك منحت الثورة تأييدها غير المحدود وولاءها الكامل، فما يكاد يصدر الأمر من القيادة بتسيير موكب حتى تندفع الجماهير غير آبهة بالخطر.
الحكومة مطالبة بأن تحافظ على هذا المنهج في القيادة، فتقوي من صلتها بالجماهير بصورة مباشرة ودائمة، وتشركهم في أفكارها وخططها، وتتبادل معهم الآراء وتحسن استغلال أجهزه الإعلام التقليدية والحديثة.
ومن المؤسف أن هذه الاستراتيجية غائبة تماماً، والتواصل في أضعف حالاته، وهذا واقع من شأنه أن يغري بانتشار الشائعات وتزايد حالات سوء الفهم عن قصد أو عن غير قصد، ونحن نخشى على الحكومة حقيقة من استمرار هذا الخلل في العلاقة، لأنه سيؤدي إن عاجلاً أو آجلاً إلى نتائج وخيمة، رغم الشعبية العالية التي توفرت للحكومة.
والناس لا يريدون أن يسمعوا تصريحات هلامية من فصيلة «إننا أعددنا خطة إسعافية تنفّذ خلال كذا شهر»، إنما يريدون أن يسمعوا تفاصيل تلك الخطة، وأن يتناقشوا حولها بطريقة يحسّون معها أنهم باتوا مشاركين في صناعة القرار، خاصة وأن معاش الناس يأتي على رأس الأولويات، والناس أيضاً يصابون بالحيرة من التصريحات المتناقضة من المسؤولين، عندما يسمعون مثلاً وزير المالية يؤكد أن رفع اسم السودان من قائمه العقوبات لن يتم إلا بعد سنة، في الوقت الذي يؤكد فيه رئيس الوزراء أنه تلقى وعداً أميركياً برفعها «فوراً» فأين تكمن الحقيقة؟
مصارحة الجماهير بالحقائق -حتى لو كانت مُرّة- هو الوسيلة لكسب تأييدها بل ولتحفيزها لكي تقبل بالتضحيات عن طيب خاطر.. واجهوا الشعب بالحقيقة وسيدعمكم بلا حدود!
لا نريد أن نفسد على الحكومة فرحتها بما حققته رحلة رئيس الوزراء الخارجية من نجاحات، فنحن أيضاً فخورون بما حققته الرحلة، لكننا بالقدر نفسه قلقون من انغلاق الحكومة على نفسها وضعف صلتها بقواعدها، مما يهدد بتآكل شعبيتها، ولو تنبهت لهذا الأمر الآن لأغلقت هذه الثغرة، وعالجت خللاً مرشحاً لأن يتزايد ويتسع، فهلا تحركوا سريعاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.