الأربعاء 15 ربيع الأول / 13 نوفمبر 2019
12:12 ص بتوقيت الدوحة

لنتمسّك بالمؤسسية وتوحيد المواقف

لنتمسّك بالمؤسسية وتوحيد المواقف
لنتمسّك بالمؤسسية وتوحيد المواقف
ليس مستغرباً أن يعطي النظام الجديد في السودان قضية وقف الحرب وتحقيق السلام الأولوية في أجندة نشاطه في هذه المرحلة الانتقالية، فقضية السلام هي القضية المحورية، سواء نظرت إليها من ناحية أسبابها الجذرية التي تتركز حول مظالم تنموية وخدمية، أو تهميش يجعل البعض يحسّ بأنه مواطن من الدرجة الثانية في بلده، أو نظرت إليها من ناحية الخلل الكبير الذي تحدثه في الواقع الاقتصادي، حيثما يُجَيِّر 80% من دخل الدولة للصرف على الحرب، وهو صرف غير منتج ويؤثر سلباً على حياة المواطنين.
الاهتمام بالسلام -إذن- ومنحه الأولوية في أجندة النشاط الحكومي الراهن قرار صائب يجد منا كل التأييد والمساندة، لكنه بالقدر نفسه يحتاج إلى كثير من الحكمة والتروي في التعامل معه ومن المؤسسية في إدارة مؤسساته دون اندفاع يتخطى القواعد المرعية، ودون الدخول في محادثات لا يسبقها تحضير جيد وإعداد لأجندة الحوار يستصحب كل حقائق الواقع على الأرض، وتشارك فيه كل الأطراف ذات الصلة، ومن الأسف تلاحظ أن المحادثات التي جرت حتى الآن للاتصال بالحركات المسلحة عكست هرولة واندفاعاً لا يسبقه إعداد، ولا تصاحبه دراسات للقضايا المطروحة، ولا توحيد لمواقف الجهات المشاركة في المحادثات من الجانبين، بل ولا أعمال لمبدأ المؤسسية.
مثل هذه «الاتصالات» التي تتم خارج إطار التفاوض ينبغي أن تكون اتصالات تمهيدية، الغرض منها تهيئة الأجواء للحوار الرسمي الذي يجب أن تتولاه «مفوضية السلام» التي تنشأ وفق ما ورد في الوثيقة الدستورية، وأي محاولة لتخطي المؤسسية وتوقيع اتفاقات ملزمة تتطرق لقضايا جوهرية في أجندة السلام المطروحة للتفاوض خارج إطار المفوضية هو استباق للأحداث لا مبرر له واعتداء على المؤسسية، من شأنه أن يخلق من المشاكل أكثر مما يحقق في مجال تهيئة المناخ. ففي الوقت الذي كان فيه وفد يمثل مجلس السيادة يدير محادثات مع حملة السلاح في جوبا، كان بعض أعضاء المجلس يبحثون في إطار لجنة -شكلها المجلس- صلاحيات وإجراءات تكوين «مفوضية السلام» حسب القواعد التي أرستها الوثيقة الدستورية، وقد أكملت اللجنة عملها ورفعت توصياتها، وكانت تتوقع أن ينظر فيها المجلس ويتدارسها مع رئيس الوزراء، وأن يصدر القرار المتوافق عليه بتشكيل المفوضية حتى تقوم بأعمالها، ولكن ، وبدلاً من ذلك، فوجئ الطرفان بوفد المجلس يوقع اتفاقاً في جوبا حول أمور هي من مسؤوليات المفوضية!!
قد يجادل البعض بأن بعض تلك القضايا التي بحثها المجلس في جوبا تندرج تحت باب تهيئة الأجواء للحوار حول السلام، مثل إطلاق سراح باقي السجناء، ولكن بالقطع هناك أمور تعرض لها الاتفاق ليست لتهيئة الأجواء، ولكنها تتعرض لقضايا موضوعية مكانها مائدة المحادثات مع المفوضية.
نحن نقدم على المفاوضات ونحن متفائلون، ولكننا –أيضاً- نعلم أننا سنختلف على بعض التفاصيل وسنتجادل حولها، ولا بأس في ذلك ما دمنا سنصل في النهاية إلى حل توافقي، وهذا يقتضي أن تكون الإجراءات التي نتبعها والمفاهيم التي ننطلق منها سليمة وتعالج جذور المشكلة، وأن المحادثات تدور بين أطراف أهدافها موحدة، وأول الإجراءات التي نحرص عليها هي أن تكون المفاوضات داخل السودان، فقد طال تجوال القضية السودانية في العواصم، ولا أقل من أن نكرم الثورة والثوار بأن نعيد توطين القضية السودانية في أرض السودان، وأن يشرف السودانيون داخل بلادهم على محادثات السلام، وأن يتخيروا من بينهم الخبراء والميسرون لتلك المحادثات، ونحن الذين عقدنا بنجاح أول مؤتمر مائدة مستديرة لحل مشكلة الجنوب قبل أكثر من ستين سنة (في عام 1965)، ونحن الذين فجرنا هذه الثورة العظيمة، فهل يصعب علينا أن ندير حواراً حول السلام بين فرقاء متحالفين؟ إننا لا نقلل من دور الخارج في مساعدتنا، ولكن نحن الذين نعيّن مجال المساعدة المطلوبة.
إن امتلاك السودانيين قضيتهم وإدارة المحادثات حولها، من شأنه أن يعيد لنا مفهوم بناء الثقة بالنفس الذي افتقدناه تحت النظام السابق، الذي رهن كل محادثات السلام للخارج، منذ أن أطلق يد «الإيقاد» وأصدقاء «الإيقاد» في معالجة قضية الجنوب، وقد آن الأوان لكي نغادر هذه المحطة!!
دعونا نتمسّك بمحادثات تدور داخل السودان، ويشرف عليها سودانيون وتدور بمراعاة تامة للمؤسسية، وحينها سنحس بأن تفاؤلنا كان له ما يبرره..
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.