الإثنين 24 ذو الحجة / 26 أغسطس 2019
08:35 ص بتوقيت الدوحة

تأثير صغار الأشياء على كبارها

تأثير صغار الأشياء على كبارها
تأثير صغار الأشياء على كبارها
عندما تترك مسجد السلطان أيوب -كما يسميه الأتراك- خلف ظهرك وتسير في زقاق صغير باتجاه البحر فستشاهد على يسارك مبنى قديما مقببا كان مطبخا عاما لتوزيع الطعام على الفقراء، وعن يسارك مقبرة عثمانية قديمة، وعندما تصل إلى مدخل المقبرة تأمل الرصيف على يسارك، فستشاهد عتبة ناتئة من الرخام بارتفاع قدم تقريبا، سطحها منحن، توقف هنا فإنك عند تاريخ لا يعرفه الكثير. على مدى التاريخ العثماني الطويل، كان السلطان الجديد يحضر إلى مسجد أبي أيوب الأنصاري لاستلام سيف مؤسس الإمبراطورية الغازي عثمان، ومن ثم يمشي على قدميه في هذا الزقاق حتى يصل إلى عتبة الرخام هذه، فيؤتى له بالخيل، فيضع قدمه على هذه العتبة ليسهل عليه الركوب معلنا بذلك عهدا جديدا من الحكم. الملايين من الناس يمرون على هذه العتبة المنسية التي شاهدت تتويج كل سلاطين العثمانيين وسجلت تاريخ توليهم الحكم، وشاركتهم احتفالاتهم، فإذا بها اليوم وحيدة هناك، يمر عليها السواح بدون أن يعيروها اهتماما، أو إنهم قد يتساءلون عن سر بقائها هناك بدون سبب يعرفونه. لقد وطئت أقدام السلاطين العثمانيين هذه العتبة فأحنوا ظهرها ولكنها بقيت بعد ذهابهم، وهكذا الدول تبقى ويذهب الحاكم والمحكوم. إنها دائما تلك الأشياء الصغيرة المجهولة التي لا يهتم بها الحكام هي التي ترفع من مقامهم أو تحط بهم، إنهم أولئك الذين يوظفون ويعينون ليضربوا بسيفهم أو يظلموا باسمهم أو يعدلوا بختمهم أو تلك التي يطؤون بقدمهم، هؤلاء الذين يودون بهم إلى هاوية التاريخ أو يرفعونهم على ظهور الخيل. أليست الشرطية فادية حمدي التي صفعت أبو عزيزي كانت وراء ما حصل لزين العابدين بن علي ولبقية الحكام الذين شاركوه الظلم والذين يقفون في طابور الزوال بانتظار دورهم؟ ألم تكن موظفة صغيرة في بلاطه وتأتمر بأمره؟ إن الصفعة التي هوت بها فادية على وجه أبوعزيزي لم تكن شيئا كبيرا، بل إنها أمر روتيني في مراكز الشرطة والمعتقلات العربية، ولكنها كانت الهاوية التي هوت بكل سلطان جائر، لأنها جاءت في ظرف مناسب لانطلاق الثورة بعد شرارة الحرق. ولم تكن مجموعة الأطفال الصغيرة في درعا تعلم أنها ستدخل التاريخ حين رفعت شعارات كانت تسمعها، الشعب يريد إسقاط النظام، تفوه بها الأطفال في الأزقة ثم رسموها كما شاهدوها على جدران حيهم، فإذا بهم معتقلون معذبون في أقبية المخابرات، فقد انتزعت طفولتهم حين انتزعت أظافرهم وحطمت براءتهم حين انتهكت كرامتهم، ولم يكن يعلم أحد أن هؤلاء الأطفال سيشعلون ثورة في البلاد ستهز عرش العائلة التي حكمت سوريا لمدة أربعين سنة. لقد وضع آباء الأطفال عُقَلهم (جمع عقال) على طاولة ضابط المخابرات مطالبينه بحق ما يعلو الرأس أن يطلق سراح أطفالهم، فإذا به يأمر برميها في القمامة، لم يطق الرجال صبرا، فأطفالهم يعذبون وكرامتهم أهدرت فإذا هي صرخة استدعاء الموت حين تداس الكرامة، فتصبح الحياة أحقر من أن تعاش، فانطلقت ثورة أطفال درعا بعد أن أهينت العُقل التي على الرؤوس، إنه تأثير صغار الأشياء على كبارها. إن التاريخ مليء بالعبر والشخصيات التي رفعت من قدر أربابها أو حطت بهم، فجنكيز خان عومل معاملة سيئة بعد وفاة والده، فخزن الحقد في قلبه حتى فجره دما ودمارا في وجه البشرية، فكانت القبيلة التي أساءت إليه صغيرا هي من أطلق الشر من عنانه، وهي من رسمت طريق الموت لسيد الدنيا كما كان يطلق عليه، إنها تلك النظرات والبصقات والصفعات هي التي رسمت شخصيته التي أصبحت عبئا على التاريخ والبشرية، ولو أحسن الناس معاملته في طفولته ما كانت البشرية مرت بتلك التجربة المريرة، إن ذلك التاريخ البشع لم يكن سوى نتاج الظلم وسوء المعاملة والاستهزاء من قبل شخصيات هامشية في التاريخ، ولكنها حددت مسار خط الدم الذي قطع الكرة الأرضية من شرقها إلى غربها. ونظام الملك، سيد الحكم السلجوقي وعماده، حتى غلب اسمه على اسم سيده، وكان بحق عماد الدولة ونظامها حتى يكاد التاريخ يمتلئ بجميل قصصه وحسن سيرته، لم يكن سوى ابن مزارع أحبه في طفولته وعلمه، ومسح على رأسه ورباه تربية صالحة، إنه الأب الذي لم يذكر لنا التاريخ سوى مهنته وحسن صنعه، هذا الأب الذي اعتنى بطفله كما يعتني بحقله، فتشرب الطفل حب الناس ونظر إلى الدنيا من خلال عيني والده، فكانت الدولة وكان النظام الذي حافظ عليه فقرن اللقب بالفعل. إن التاريخ يقوم على عالم المجهولين، الذين يؤثرون في مسيرة الأحداث الجسام، فيرسمون شكل التاريخ القادم بحسن صنيعهم أو بسوئه أو حتى بالدور الذي يقومون به كما هي الحال مع عتبتنا العثمانية الصامتة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا