الثلاثاء 17 محرم / 17 سبتمبر 2019
02:27 ص بتوقيت الدوحة

ماكرون في اعتراف مثير لكنه معروف

ياسر الزعاترة

الأربعاء، 04 سبتمبر 2019
ماكرون في اعتراف مثير لكنه معروف
ماكرون في اعتراف مثير لكنه معروف
أطلق الرئيس الفرنسي الأسبوع الماضي تصريحاً مثيراً، تضمّن اعترافاً بالغ الأهمية، وإن كان معروفاً للمحللين السياسيين، بل ربما لأكثر المراقبين للشأن السياسي. وقد تزامن الاعتراف مع انعقاد قمة مجموعة السبع في فرنسا.

في كلمة ألقاها بافتتاح مؤتمر لسفراء بلاده في الخارج، قال ماكرون: «نحن لا شك نعيش حالياً نهاية الهيمنة الغربية على العالم، فقد كنا معتادين على نظام عالمي منذ القرن الثامن عشر، يستند إلى الهيمنة الغربية. ولا شك في أن هذه الهيمنة كانت فرنسية في القرن الثامن عشر بفضل عصر الأنوار، وفي القرن التاسع عشر كانت بريطانية بفضل الثورة الصناعية، وبصورة عقلانية كانت تلك الهيمنة أميركية في القرن العشرين. لكن الأمور أخذت في التغير والتقلب بسبب أخطاء الغربيين في بعض الأزمات».

وأضاف: «نحن عملنا معاً في لحظات تاريخية، كذلك هناك بزوغ قوى جديدة، وهي قوى اقتصادية ليست سياسية، بل دول حضارية تأتي لتغير هذا النظام العالمي، وإعادة النظر في النظام الاقتصادي بصورة قوية، ومنها الهند والصين وروسيا، حيث تتميز تلك البلدان بإلهامها الاقتصادي الكبير».
وتابع قائلاً: «الصين وروسيا اكتسبتا قدرة في العالم، لأن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة كانت ضعيفة.. أعلنا خطوطاً حمراء لكنهم تجاوزوها ولم نرد، وعلموا ذلك».
وكان لافتاً إلى أنه دعا إلى إعادة النظر في العلاقة مع روسيا، بوصفها جزءاً من الفضاء الأوروبي، حيث قال: «لا يمكننا أن نؤسس للمشروع الأوروبي للحضارة الذي نؤمن به، من دون أن نعيد التفكير بعلاقتنا مع روسيا».
لم يأت ماكرون بجديد، فالمشهد الدولي يتغير منذ سنوات بعيدة؛ تحديداً منذ أن تورّطت الولايات المتحدة في نزيف العراق وأفغانستان، وخسرت ما يقرب من 6 تريليونات دولار، بحسب تقديرات معتبرة، فيما خسرت الكثير من نفوذها السياسي الذي بلغ ذروته بعد نهاية الحرب الباردة وحرب البلقان، حتى أن بل كلينتون سلّم جورج بوش (الابن) إمبراطورية لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلاً من حيث القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهو ما أصابه بغرور القوة، ودفعه للانجرار وراء المحافظين الجدد الذين ورّطوه في العراق تبعاً لحسابات صهيونية أكثر منها حسابات تتعلق بالمصالح الأميركية؛ وإن جرى تخريج ذلك بالحديث عن «قرن إمبراطوري أميركي جديد».
ما يجري منذ ذلك الحين هو إعادة هيكلة للنظام الدولي، حيث بات يقترب بالتدريج من نظام التعددية القطبية، لكن الموقف ما لبث أن انفجر على نحو أوضح مع مجيء ترمب الذي اضطر الصين تحديداً إلى تجاوز خطة الصعود الهادئ، والدخول في حرب تجارية (هو من أعلنها)، فيما أفادت أخطاؤه روسيا، وبدأت هي الأخرى في سباق تسلح، وسباق على مواقع النفوذ.
اليوم؛ لم يعد الحديث عن الصعود الصيني والروسي محض تكهنات، بل حقيقة ماثلة أمام الأعين، ولولا «ديكتاتورية الدولار» التي تمنح واشنطن فرصة فرض العقوبات على من تشاء (ستنتهي ولو بعد حين)، لتسارع المشهد الدولي نحو مزيد من التعددية القطبية، ومن ثمّ تراجع مستوى النفوذ الأميركي.
كل ذلك يشير بوضوح إلى أن الصراع الراهن، والذي يشبه الحرب الباردة، أو سباق التسلح السابق، سيلقي بظلاله على المشهد الدولي برمته، من ناحية الركود الاقتصادي والصراعات الكثيرة على مستوى العالم، وهو ما سيكون مفيداً للقوى الصغيرة والمستضعفة التي سيكون وضعها أفضل، في ظل التعددية القطبية منه في زمن الأحادية، وتلك سنة الله التي جعلها الله من أفضاله على العالمين، مصداقاً لقوله تعالى في سورة البقرة: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ «.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.