السبت 21 محرم / 21 سبتمبر 2019
09:03 م بتوقيت الدوحة

الجبهة الثورية.. مرونة مع «الإنقاذ».. تشدد مع الثوار

الجبهة الثورية.. مرونة مع «الإنقاذ».. تشدد مع الثوار
الجبهة الثورية.. مرونة مع «الإنقاذ».. تشدد مع الثوار
ليس سراً أن حركة العدل والمساواة التي يتزعمها جبريل إبراهيم وحركة تحرير السودان، برئاسة أركو مناوي كانتا، على وشك التوصل لاتفاق مع نظام البشير بعد تفاوض طويل، كما قطع قطاع الشمال الذي يقوده مالك عقار وياسر عرمان شوطاً في التفاوض، وإن لم يبلغ درجة التقارب التي حققها الفصيلان الآخران. حقيقة التقارب الذي كاد يصل بالفرقاء المتحاربين -أيام حكم الإنقاذ- لتسوية سياسية، لا يطعن في الجبهة الثورية، فلكل مقاتل تقديراته التي تخصه. وقد يفرض عليه وضعه العسكري تسوية تبدو للمراقب البعيد تنازلاً مخزياً، لكن رفاق السلاح الملمين بالأسرار يتفهمون الدوافع ويدركون -بحكم وجودهم في الميدان وفي مرمى النيران- أن الإصرار على مواصلة القتال قد يكون تهوراً يفضي لفناء الحركة المسلحة.
وقد يكون تقييم الجبهة الثورية لمردود الحرب التي استمرت طويلاً منذ عام 2003 هو أن الحرب لم تحقق الأهداف المرجوة، بل شتت الآمنين من قراهم، فصاروا بين نازحين في المعسكرات، ولاجئين في دول الجوار. هذه تبريرات مقبولة لتقارب الجبهة الثورية مع الإنقاذ، لكن ما يدعو للتساؤل هو أن المرونة التي أبدتها الجبهة الثورية لنظام الإنقاذ أحادي التوجه، لم تبدها لوفود الحرية والتغيير، رغم تمثيل تلك الوفود لنظام تؤهله طبيعته للاستجابة التلقائية لكثير من مطالب حملة السلاح. فهو نظام يؤمن إيماناً مبدئياً بالتعددية السياسية وبضرورة التنمية المتوازنة، ويعترف بالتنوع الثقافي، فيلتقي بذلك مع حاملي السلاح في منتصف الطريق على الأقل، فما تفسير موقف الجبهة الثورية؟
يمكن تفسير الأمر بأن الجبهة قد فاوضت في آخر أيام الإنقاذ سلطة يمكن أن تمنح وأن تمنع، بينما لا تملك وفود «الحرية والتغيير» المفاوضة من الأمر شيئاً، وهو ما ألمح إليه بعض قادة «الثورية» حين عزوا فشل التفاوض إلى تذرع وفد «الحرية والتغيير» بأنه غير مفوض. وقد يفهم ضمناً أن «الثورية» قد تخشى عجز الحكومة الانتقالية عن الوصول لاتفاق سلام شامل بذريعة ترك هذا الملف للحكومة المنتخبة، هذه الدعاوى التي لا تخلو من منطق لا تعالجها مداهنات للجبهة، مثل التكرار الممجوج لإقرار غير مطلوب بدور مقدر للجبهة في إسقاط نظام الإنقاذ. فهذه إقرارات لا تجيب عن أسئلة اليوم. ويفيد بدلاً عنها التركيز بقوة على أن الثورة قد خلقت واقعاً جديداً يختلف جوهرياً عما كان عليه الأمر في عهد الإنقاذ، فعادت الحقوق الديمقراطية للكافة بلا منحة من أحد. وعليه يمكن للجبهة الثورية أن تتمتع بحقوقها الديمقراطية بلا حاجة لاستئذان قوى الحرية والتغيير. ويقترن مع ذلك بالضرورة إلقاء السلاح، والشروع الفوري في العمل السياسي بتحويل الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية، إذ لا يحول بين الجبهة الثورية وطرح رؤاها حائل، ويرتفع سقف آمال الجبهة إلى حكم الولايات التي تجد فيها سنداً جماهيرياً، بل وحكم السودان كله إذا ما كسبت إرادة الشعب صاحب الكلمة العليا في النظام الديمقراطي.
لقد صدرت دعوات ونداءات لإلقاء السلاح، ووقف الحرب حتى في عهد الإنقاذ، إيماناً من أصحاب النداءات بأن الحرب الأهلية تستنزف الموارد، وتصبح وبالاً حتى على الذين أشعلت نار الحرب من أجلهم، فتزداد حياتهم بؤساً. فإذا كان لهذه النداءات قوة في عهد الإنقاذ الشمولي، فهي في العهد الديمقراطي أوقع. فلينصرف حملة السلاح إلى معركة البناء، وليحمل كل مقاتل «السلوكة» بدلاً عن البندقية، وليزرع الأرض بالبذور بدلاً عن الألغام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.