السبت 21 محرم / 21 سبتمبر 2019
08:56 م بتوقيت الدوحة

عودة قلم

وداعاً «الكُميت» الخيّر.. وابن الخيارين

أحمد المصلح

الثلاثاء، 20 أغسطس 2019
وداعاً «الكُميت» الخيّر.. وابن الخيارين
وداعاً «الكُميت» الخيّر.. وابن الخيارين
فقدنا يوم الجمعة (8 ذي الحجة 1440هـ) أحد أنقى وأصفى وأصدق وألطف الرجال، إنه العزيز الكريم، ضحوك السن، واسع القلب، الضحّاك جالب السرور وانشراح الصدر لكلّ من عرفه؛ إنه الأستاذ علي بن محمد الكُميت الخيارين، الذي فارق عالَم الكَبَد والضيق، وارتحل إلى جوار ربّه، بعد صراعٍ مع المرض. لم نعرفه مع فقدانه نعمة البصر إلا بالصبر الجميل والرضا بقضاء الله الجليل.
سألتُه يوماً: لو أذِنَ اللهُ بالجهاد في سبيله لتحرير الأقصى.. أين ستكون؟
قال: في التعبئة المعنوية.
مَن عرف العبقري علي الكُميت انجذب إليه تلقائياً، ولن يجد مناصاً من صُحبته، فقد كان يتعامل مع الناس بالمودة والتقدير وبالضحكة البريئة، دون تمييز في تعامله ولا تمايز بين صديقٍ قريب وبعيدٍ غريب، فكان يتعايش معنا بأخلاق سامية فلا نشعر أن أحداً أقرب عنده من أحد.
وكلّ من ضاقت عليه نفْسُه ولقيه، وجد عنده ما يخفّف همومَه ويُذهب أحزانه، ففقيدُنا الغالي كان يبهِج المهموم دون تصنُّع، فهو جدير أن نطلق عليه «عبقري كوميديا المواقف»؛ ففي صندوق «حكايات علي» ومواقفه التي لا حصر لها، كنا نجد كلّ طريف ومثير...
وكثيراً ما كان ينسج خيوط طرائفه ويغزل بموهبته الخلّاقة النُكتة الهادفة الساخرة، بما خصّه الله من تجارب، ومن فيض إبداعه وحسّه الضحوك ما عزّ له نظير. ولو أراد لكان من روّاد الرواية المسرحية في الوطن العربي بلا منازع؛ لكن بسبب ظروفه الشخصية (حيل بينهم وبين ما يشتهون).
ففي «تجليّات الكُميت» ومن تجارب البرّ والبحر، تجد لديه الكثير، بعبقرية نادرة لا تتكرر، وبحسّه المُتّقد، ومن ذاكرته الواسعة، واستعداده المركوز الذي جُبل عليه خِلقة وطبعاً.
لقد آتاه الله روحاً حيّة مَرِحة، وخفّة ظلٍّ. وبدافع محبّته للناس ورغبته المتأصّلة في إسعادهم، استطاع فقيدنا الدخول إلى أعماق الذين عرفوه، فاكتسب محبّتهم وأَسَرَ قلوبَهم وضمّهم داخل قلبه الكبير، وحظي بأُنسِهم وإيناسهم ونال اشتياقهم لمجلسه عزيز المنال!
كانت موهبته العجيبة -التي لا يُدانيه فيها أحد- متجسّدة في محاكاته للألسنة العربية من نواكشوط غرباً إلى مسقط شرقاً، بل كان يقلّد بأسلوبِه الساخر المدهش اللهجات المتعدّدة المتفرّعة عن اللهجة الأم في المجتمع الواحد، وليس اللهجات الأساسية فحسب! لدرجة أن الذي لم يتعرّف عليه، يجزم بأنه من تلك البلاد التي يتكلم بألسنة أهلها!

«أمل الكبار»
سُئل العلّامة ابن باز -رحمه الله- عن أول شيءٍ يودّ أن يراه لو أنّ اللهَ ردّ بصرَه، فقال: الجَمَل! لأن اللهَ لفت أنظار الناس لبديع قدرة الخالق فيه، فقال سبحانه: {أفلا ينظرونَ إلى الإبلِ كيف خُلِقَت}.
أما علي الكميت، فقد كان أملُه أسمى وأغلى وأعزّ!
سألتُه مرّة، في خَلوة: أبو حسن لو أبصرتَ ماذا تتمنى أن ترى أولاً؟
فاجأني بجواب أدهَشني -ولا يزال- واقشعرّ منه جلدي، حيث قال: والله، يا بو خليفة، لا أتمنى إلا رؤية وجه الله جلّ جلالُه وعظُمَ نوالُه!!
فهنيئاً لك يا علي بعد أن ترجّلتَ عن سَرجِ جوادك في دنيا الضيق والمِحَن إلى خيمة الله العزيز الرحيم، وهنيئاً لك قدومك على الملك الحي القيّوم.. {فَبَصَرُكَ اليومَ حديد}.
رحمَ اللهُ رهين المحابس وأنيس المجالس ابن الكُميت علي الخيّر، من آل الخيّارين الكرام!
اللهم لا تَفْتِنّا بعدَه، ولا تحرِمنا أجرَه، واغفر لنا وله ولوالدينا، وارزقنا شفاعة نبيّنا عليه صلوات ربي والتسليم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.