السبت 21 محرم / 21 سبتمبر 2019
02:51 م بتوقيت الدوحة

لا حديث يعلو على الفقر!

لا حديث يعلو على الفقر!
لا حديث يعلو على الفقر!
في نوبة مصارحة نادرة وغير مسبوقة، خرج علينا الإعلامي المصري أحمد موسى في برنامجه اليومي على فضائية «صدى البلد» ليخاطب الفقراء -إذا كانوا يشاهدون برنامجه- قائلاً: «البلد شايفاكم واحد واحد، والرئيس مش هيسيب الناس كده». وأضاف: «هناك مواطنين لا يمتلكون حق الدواء! ولا ثمن العلاج! ومنهم من يموت لعدم توافر الدواء!». وقال أيضاً: «هنكدب يعني؟ احنا عاوزين شغل كتير وفلوس كتير، وما صدّقنا حد يفكر في الناس دي»، قاصداً بالطبع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي (طبعاً علامات التعجب من عندي).

مناسبة عودة الحديث عن الفقر في مصر، تلك الإحصاءات المفزعة والكارثية التي خرجت من الجهاز المسؤول عن الإحصاء في مصر، وهي بتلك الصفة أرقام رسمية معترف بها، حيث كشف عن ارتفاع نسبة الفقر في مصر خلال العام المالي 2017-2018 إلى 32.5%، مقابل 27.8% خلال العام المالي 2015-2016، فضلاً عن ارتفاع نسبة المواطنين القابعين تحت خط الفقر إلى 6.2% مقابل 5.3%؛ بما يمثّل أكثر من 6 ملايين مصري. تأتي تلك الإحصاءات استناداً إلى نتائج بحث الدخل والإنفاق عن العام المالي 2017-2018، وتُعدّ نسبة الفقر المعلنة بحسب الجهاز هي الأعلى على مدار الـ 20 عاماً الأخيرة، حيث زادت من 16.7% في 1999-2000 إلى 21.6% في 2008-2009، ثم 25.2% في 2010-2011، وزادت 26.3% في 2012-2013، ثم ارتفعت 27.8% عام 2015، ووصلت النسبة إلى 32.5% في فترة 2017-2018. ورغم خطورة هذه الأرقام، فهناك من يشكّك في تلك النسب ويتحفّظ عليها، حيث أشار البنك الدولي في تقرير له في مايو الماضي إلى أن «أكثر من 30% من المصريين تحت خط الفقر، و60% إما فقراء وإما عُرضة له، كما أن عدم المساواة آخذ في الازدياد»، ونتيجة تلك النسبة التي تحدّث عنها البنك.

تأتي هذه الأرقام والنسب في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة المصرية استهدافها تخفيض نسبة الفقر بجميع ‏أبعاده إلى النصف بحلول عام 2020؛ أي العام المقبل، ولا يفصلنا عنه سوى أربعة أشهر فقط؛ مما يجعل الأمر كما لو كان «كوميديا سوداء». كما وعدت الحكومة أيضاً بالقضاء عليه نهائياً ‏بحلول عام 2030. كما أن الفقر لم يتراجع بفضل برامج «تكافل» و«كرامة» التي تتغنى بها الحكومة وتتحدث عن صرف 103 مليارات خلال خمسة أشهر في مبادرة حياة كريمة. كما أن الوفورات الناتجة عن تخفيض الدعم وزيادة أسعار الطاقة ورفع أسعار الخدمات الحكومية لم تصبّ قط في مصلحة الفقراء وغير القادرين، والذي حدث فعلياً هو أن هؤلاء الذين انتظروا ثمار ما تطلق عليه الحكومة برنامج الإصلاح الاقتصادي لم يحصلوا على شيء؛ وإنما زادت عليهم الأعباء، حتى انتهت وإلى الأبد -إذا استمرت السياسات الاقتصادية- الطبقة الوسطى، ووجودها أحد معايير التقدم والرقيّ في أي مجتمع، حيث انضم أفرادها -وهم بالملايين- إلى الطبقات الفقيرة.

وبعد، فإن روشتة العلاج واضحة، أجمع عليها كل خبراء الاقتصاد في الداخل والخارج، ويبدو أنها ليست من أولويات الحكومة المصرية. فالمطلوب أن تتحول مصر إلى دولة إنتاجية تصديرية حتى تستطيع المنافسة في الأسواق الدولية، كذلك هناك ضرورة أن تعمل الحكومة على إعادة تشغيل المصانع المتعثّرة التي يصل عددها إلى 500 تقريباً، ولا يحظى الأمر بأي اهتمام من الحكومات التي تعاقبت على مصر منذ 2013 وحتى الآن، والمهم التوقف عن إهدار أموال الدولة في ما يُسمّى المشروعات القومية، غير ذات الجدوى الاقتصادية، في انتهاك فاضح لـ «فقه الأولويات»؛ فليس هناك أي مردود اقتصادي إيجابي من بناء العاصمة الجديدة، ولا على مدينة العلمين حيث عقد مجلس الوزراء أول اجتماع له في مقره الجديد هناك مع تعدّد مقراته في القاهرة التاريخية وفي الإسكندرية منذ أيام الملك فاروق والآخر الذي شُيّد في العاصمة الإدارية الجديدة، والبُعد عن حكاية أعلى أبراج وأكبر كنسية وأوسع مسجد، أو مشروع مثل النهر الأخضر في العاصمة الجديدة، ووقف معدلات الديون غير المسبوقة، مع زيادة البرامج الاجتماعية التي تعالج الآثار السلبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي لدعم الفقراء، ومساندة محدودي الدخل.
وحقيقة الأمر أن سياسة الوعود بثمار الإصلاح الاقتصادي تحولت إلى «سراب» ينتظره المصريون عاماً بعد عام، ولا يأتي، ويبدو أنه لن يأتي أبداً، ما دام هناك إصرار على سياسة إفقار الشعب المصري.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.